القصة القصيرة

مناديل ملونة

في صباحِ يومٍ سبقَ حلولَ العيدِ ببضعةِ أيامٍ، كانتْ أشعةُ الشمسِ تسقطُ على واجهاتِ المحالِ المقابلةِ لجهةِ الشرقِ، فتظهرُ الانكساراتُ والارتداداتُ على زجاجِها، تبدو الصورةُ مموهةً أحياناً.
كنتُ أسيرُ متطلعاً إلى أنواعِ الملابسِ التي تُعرضُ، وقد تعددتْ أشكالُها وتنوعتْ ألوانُها، لكنَّ الأمرَ الذي لفتَ نظري بَغتةً، ذلكَ المشهدُ الذي عادَ بي إلى طمي الذاكرةِ المتربةِ. استنهضَ ذكرى غارقةً في مدى بعيدٍ. حركَ الهدوءَ في عمقِ ماءِ بِركةٍ راكدةٍ. حركَ طيبَتي غيرَ العاديةِ جداً التي تنجرفُ حدَ السذاجةِ.
رُبما تلكَ الصفةُ التي لازمتني، هي القدرُ الذي لا أستطيعُ أن أُبرأَ نفسي منهُ، أو ربما حالةٌ ارتضيتُها، لا أستطيعُ الفكاكَ منها. اعابَها عليّ الكثيرون. عدوها مثلبةً، فلا جدوى من الملامةِ التي تُكالُ لي عما أفعلهُ بأقربِ الناسِ مني. قدْ عصفَ بيّ الشكُ كثيراً فيما يعتريني، لكنني لا أجدُ الخلاصَ، وأُعيدُ الكرّةَ تلوَ الأخرى.
لم يكنْ مروري في هذا الشارعِ صدفةً أو دونَ هدفٍ محددٍ، بلْ كنتُ أنوي شراءَ ملابسٍ جديدةٍ لولدي الذي بلغَ السادسةَ من عمرهِ ليرتدِيها أيامَ العيدِ المقبلِ.
كانَ الهدوءُ يُغلفُني، ويعزلُني عن العجلاتِ العابرةِ والمارةِ الذينَ يجتازونَ الشارعَ، كمنْ أمتلكَ حريتهُ في ظلِ نظامِ دولةِ افتراضي قريبٍ للتكاملِ، رُبَما خَلقتُ ذلكَ العالم الموهومِ بالتراضي مع نفسي الجامحةِ في سرحانِ الذهنِ الذي شنَ حملتَهُ. لا أجدُ مهرباً منهُ كي أخترقَ عالمَ الواقعِ المريرِ. أو للشعورِ بالسعادةِ للحظاتٍ منسلخةٍ منَ الزمنِ الراهنِ إلى حينِ تصدمُني صحوتي المستديمةِ التي لا تُزحزحُها عني طرقٌ ثانيةٌ.
لمحتُ طفلاً في السادسةِ من عمرهِ ينزوي أمامَ أحدِ المحالِ التجاريةِ، ملابسهُ رثةٌ، يحملُ في يديهِ مناديلَ ملونةً، تطفُو على وجههِ اماراتُ الحزنِ. لا أدري لماذا اعترتني موجةُ حزن.
كانتْ ملامحُهُ بريئةً، وحركاتُهُ عفويةً، لكنّ الأمرَ الذي أبهرني أن تلكَ الملامحَ أعرفُها، فهذا الطفلُ يشبهُ أحداً ما أعرفهُ جيداً كان بهذهِ الهيئةِ قبلَ أربعينَ عاماً. اقتربتُ منهُ. زادَ الشبهُ، ربما كنتُ أنا في ذلكَ الزمنِ المنصرمِ.
سألتهُ:
– ما أسمُك يا ولدي؟
ردَ ونشِيجهُ أخذَ يرتفعُ قليلاً:
– اسمي ياسين.
تعجبتُ ورددتُ بصمتٍ (عجباً! ما الذي يجري، الاسمُ اسمي، ملامحهُ ربما ملامحي.)
ربما جاءَ تعاطفي معَ هذا الولدِ، كونهُ ظلي، نسخَتي القديمةَ، لكن ما حدثَ بفارقِ زمني. ماذا جرى لهذا الطفلِ الذي أختارَ المكانَ الخطأ لبيعِ مناديلهِ، بدا لا حولُ له ولا قوةُ. كان من الأجدى أن يتواجدَ في الساحاتِ المكتظةِ بالناسِ في هذا اليومِ الساخنِ الرطبِ.
جاءتْ طيبتي دون إرادةٍ مني كي أستوعبَ درساً في هذا الوجودِ قدْ كان خافياً. ولا أجدُ القليلَ من الإجاباتِ للأسئلةِ الكثيرةِ.
سألتُهُ:
– لماذا تبكي يا ولدي؟
أجابَ والنشيجُ مستمرٌ:
– أُريدُ أنْ أشتري ملابسَ العيدِ بثمنِها، ولحد الآنَ لم أبعْ منديلاً واحداً.
– كم ثمنُها؟
– عشرةُ آلافِ دينارٍ.
كانتْ الشمسُ ترتفعُ في سَمتِ السماءِ وصارتْ اشعتُها أكثرَ شدةً. تطابقتْ ملامحُ صورتي في الزجاجِ مع ملامحِ الطفلِ الذي كان بمواجهتي.
أخذتُ المناديلَ كلَها من يديهِ الطريتين. لم يبدِ أيةَ ممانعةً، كأنهُ أدركَ ما أنا عليهِ من مثلبةٍ، ثم وضعتُ عشرةَ آلافٍ في باطنِ راحتهِ اليمنى وأغلقتُ يدهُ قائلاً لهُ:
– أشترِ ملابسَ العيدِ.
توردَ وجهُهُ تحتَ أشعةِ الشمسِ وغادرَ مسرعاً، إلا أن دموعاً انفرطتْ من عيني لم أستطعْ إيقافَها.
ربما ولدي مثلي متورطٌ في تلكَ المثلبةِ. عندما أعودُ إلى البيتِ ويدركُ ما فعلتهُ سوفَ يعذرُني، ويفرحُ بالمناديلِ الملونةِ، ويدركُ أنني لنْ أخذُلَهُ عندما يحلُ العيدُ.
لكن الأمرَ المؤسفَ، أن الآخرين قد يرونَ ذلكَ ضرباً من الجنونِ، ربما جنوني، وعذراً لهمُ لأنهمْ لا يدركونَ ماذا تعني المناديلُ الملونةُ.

السابق
إيــلاف
التالي
فشل

اترك تعليقاً

*