القصة القصيرة

منذ ميلاد الأنقاض…

لم يتبقى في شارع الحياة الفقري لمدينة العز تعز سواء أعمدة الإنارة المظلمة ليلها والنهار, حاويات, أعين قانصة سرها والعلن متناثرة هُنا وهُناك. . .اسراب من البشر خلف ميلاد الحياة… خالية هي من أرواح البشر, عامرة برائحة ذكراهممن تحت الأنقاض ركاماً. . .فلقد ولدت الأرض الخراب فذهبت بهم في ذات سياسة قدرية عُليا… بلوحة نُص عليهاتحذيراً”ممنوع التوغلفي الشارع لتواجد القناصة أعلى المباني”… لقد ايقن علماً من كتبتلك الكلمات الخاطفةللدماء, أن الوقوف مجازفة كبيرة ضد الحياة, وفرصة متحالفةمع الموت, ولكنه لم يعلم أن الحياة تجر الموت بإلحاح وكأنها العاهرة مكشوفة السوق داعية المتعة…!
ووفاء بين كل ذاك سيدة مهترئة الأنوثة لا تعلم ما يجب أن يُعلم, فقد سحق الجهل فكرهاكما أنوثتها في بلد أضحى للجهل عنوان في زمن التخمة العلمية.!لتخطبجهلها المُسيس بضع خطوات للخلف, ليس تراجعاً؛ ولكن الجسد رأساً فزع مما راء وأدرك, , , تُريد أن تفيق من سبات الصدمات,لتُدركالعينان كومة الأحجار التي تعلوها أكوام أخرى من كل ما تُرك وتناثر أشلاء, وهي أشلاء على أثر ما تحتها… فالكثير من الأحلام المنسية على حواف الرصيف تحت قدميها تُركت, , , ذهبت في ذات الشارعبل نُهبت, فكل شيء ثابت كما العينان اللاتان غُرستا في بقعتهما كنخلة ثابته أصلها قاعمدينتها وفرعها في تعز السماء…! كل ذلك السخاء حل زائراً في بلد البذل والعطاء, وهي أتت بغير دعوة, ولكن مرحباً بها وبكل من سيأتي بعدها وكل من رحل قبلها, فكل شيء ها هُنا للكرم مُلتبساً بعينه والزناد…
هي, وفاء, أم, وأب,مختزلة كل الصور والأدوار, في ذات منهوبة, لم تستطع أن تكون أقلة حق,,, أنثى.
تتذكر وتقاسي بصمتها الفزعوفي يمينها ورقة ملكية لعقار بلله الدمار بدموع عيناها والعرق…
فمن فعل ذلك…؟ ولماذا فعل ما فعل…! وكيف حدث كل ذلك…؟ بل ومتى حدث…! ولماذا أنا من دون الجميع……؟ ــــــــــــــــــــــــــتسألت.
كانت تعي أن الجميع في حالٍ أسوأ, ولكنها لم تلتمس عُذراً لأحد, إذ لم يُلتمس لها من الجميع عُذر قط, وسبات الحُزن مؤلم, فقد ذهبت القذائف بمنازلهم وبعض أشلاهم كالتي تقف عليها الأن,كجماجمهم مثلاً… و لا تزال رغم حظها المسرف في الحياة ساخطة…! فذلك الحُلم كلفها الكثير, ككلفة أن تكون رجلاً لمدة وجيزة معنونه بحياة أبنائها الأربعة, فهي رجل في رداء أنثى في جسد أنثى و روح أنثى…!
خمسة عشر دقيقة مدة سخية من أصابع تتربص للإطلاق لتستعيد وفاء ذكريات الحبيب الراحل في ميادين الدفاع عن الوطن منذ أربعة عشر عام, فحرياً بها أن تفتخر, فهي تعلم أنها زوجة الشهيد ولكن شهيدها لن يعلم بأنه زوج الشهيدة, فكيف سيدرك فخرها إذن…!فهو لنيُدرك ما سيحدث لها اليوم… وميلاد أبنائها الأربعة لم يدركه ايضاً, وما تخلل تلك السنين من أفراح ومن قبلها أحزان, فراق وضياع, دموع وضحكات, ورحلات طويلة من الادخار لتبني المنزل المتواضع الذي آل راكعاً إلى الأرضتنظره بنظرة وداع, إلىما تبقى منه متسمرة كنخلة تترنح في الهواء….. فلأجله أتت وانتصبت قامتها المُنحنية, ولأجل ذلك الراكع سترحل وستخر ساجدة تُنهي معه الصلاة…فهي المخلصة للرجال وللأبناء للأرض وللبناء للوطن وللحياة للموتوللجميع وكأنها الرصيف الأسمنتيالمُلقى أرضاً يطأ عليه من يُريد العبور…
فنعم الوفاء يا وفاء…
ورغم تلك التضحياتالساحقة لكيان ذلك الأنثى, قررت الأعين القانصة حكماً بالزناد من أعالي الأنقاض العامرة بالدمار أنه قد آن لها أن تلحق بالزوج ومنزله الذي لن يره قط, وعلى فتات ما تبقى من الرصيف في مدينة الحُب العامرة بالخراب ذهب عن وفاء سخطها والرضا, كما ذهبت عيناها ساجدة للأرض راحلة نحو السماء مصحوبة بملكية ورقية ضُرجت بالدماء. .
.
.
.
الوداع يا وفاء.

كاتبة وقاصة، ماجستير في الإرشاد النفسي.

السابق
لستُ لَطِيمَا ..
التالي
ذبابة

اترك تعليقاً

*