القصة القصيرة

من أعمالكم

الغريب في الأمر أنه كان في عجلة من أمره.
قبل نزوله للموعد المحدد سلفا دخل عليه نسيبة الجديد وامرأته في زيارة مفاجأة.. رحب بها أياما ترحيب، وقدم لهما أفضل ما في البيت.. زوجته سعيدة بهذه الزيارة، ولا أريد أن أجزم أنها تنحاز إليهم لكي يفوت عليه هذا الموعد المكرر من يوم خروجه على المعاش.. قبل أن يفتح الصِّهْرُ موضوعا جديدا للمناقشة من باب الدردشه التى تزيد الأواصر الأسرية.. نادى على ابنته الوسطى التى تعيش ولدها معه لأمر لا مجال لذكره الآن.. لو سمحت أعدى البدلة الزرقاء وقميصها وربطه العنق الحمراء لكى الحق بالميعاد.. لم يتحرج النسيب الجديد، بأخلاق نبيلة أستأذن بالإنصراف غير نادم.. إلا أن زوجته انهالت عليه بعد رحيلهما باللوم الجارح.. فوت عليها الفرصة، وأدخلها في مواضيع أخرى تخص ابنتها العروس أسر بها حماها.. هدأت شيئا فشيئا.. ارتدي ملابسه ونزل إلى الشارع رافعا أكف الضراعة إلى الله أن يرزقه بتاكسي يكون السائق محنك يعرف كيف يتغلب على اختناقات المرور في تلك الساعة.. حتى يصل في الموعد المحدد، حتى لا يتهم العواجيز بالتعالى على فئة شباب اليوم.
مع قدوم أول تاكسي توقف الضبط في محاذاته.. (جاردن سيتي) يا بنى.. تبسم بابتسامة صافية.. مد يده وفتح الباب الأمامى قائلاً تفضل.. استبشر خيرا.. ما أن إعتدل في مقعده وقبل أن يقترح عليه أقصر طريق يسلكه ؛ وإن كان طويلاً تزيد فيه الأجرة بمقدار الثلث.. وجده يقول لا عليك يا أستاذ..ستلحق الندوة فى موعدها.. تعجبت!.
التفت إليه بكامل جبهته.. تفرسه مثلما يدقق الضبع في فريسته قبل الإلتهام.. لم تسعفه الذاكرة الحديدية في معرفته.. تجرأ ونطقت بالسؤال الذى كان قد قرر منذ زمن بعيد شطبه ورفعة من قاموس حياته.. وهل تعرفني؟.
زاد اتساع حدقات عيني الفتى الذي يناهز الثلاثين عاما للضعف عن مساحتها الأصلية، وهل يخفى القمر؟ .
لم يتحمل بطء خروج الكلمات من فم السائق المبتسم على الدوام.. قاطعه بحدة، وواجهه.. ومن تكون أنت؟ اجب حتى لا تطول فترة الرد.. التي كادت تفقد أعصابه، ويتوتر وتخرج منه أفعال منافية إلى سمته، وعمره ووقاره العتاد؟.
أنا يا سيدي أعرفك من على (النت)، وبالتحديد من جوجل.
فجأة.. توارت العاصفة التي تجمعت خيوطها على غير رغبة منه، وكاد يحدث مالم يحمد عقباه.
أى (نت)؟.
أنا يا سيدى.. أعمل في (القرية الذكية) منذ خمس سنوات في قسم إدخال البيات، وهو عمل لابد على من يشغله التركيز بنسبة لا تقل عن 100% ، وفي ساعة الراحة أهرب إلى (جوجل)، وخاصة الركن الثقافي (أدباء ونقاد) ومنه أدمنت كتباتك، وبهذه المناسبة هل يمكن طرح على سؤال بريئ؟.
كيف لك اختراق عقلية المبدع؟ ليس هذا فحسب، بل و وضع يدك على مقصده وقت الكتابة، وكأنك تعيش معه، بل طيات العقل الباطن ما يتوافق ومزاج المتلقي، يزيد الارتباط، بالراوي ومواصلة القراءة.
كاد العجوز يمد يده على فرملة اليد بجواره، ويكبح جماح السيارة ويسأله: كيف لمثلك التوصل إلى تلك الأسباب ويبحر في دراسة النقد الأدبي؟.
ـ ما هي دراستك الأصلية؟
ـ بكالوريوس كلية الحاسبات والمعلومات جامعة عين شمس.
ـ وعملك على هذا التاكسى؟.
ـ انه كل ميراث أبى، باب رزق (الأسرة) أمي وأخواتي البنات الثلاث، وأنا اعمل عليه عدة ساعات لصالحهم.
قبل أن يسترسل في السؤال التالى.. كان الفتى الثلاثينى يقول: نادى القصة.. تفضل يا أستاذ.

السابق
بروفة للعرض
التالي
إثارةٌ

اترك تعليقاً

*