القصة القصيرة

موائد لا تجوع

الدقائق القليلة الباقية تجثم فوق صدرها كجبال رواسي تعجز أنفاسها المتسارعة في عدو جنوني من أن تزحزح ثوانيها، تثور دقات قلبها المشفقة رافضة وقوف الأنفاس وحيدة في مجابهة الخطر المحدق الذي تحمله لحظات الزمن القاسية تلك فإذ بها تنتفض بدورها مشاطرة لها فتصُمُّ أذنيها وتبعث رسلها سيولًا من عرق تبلل كل جسدها المضطرب ترقُّبًا وخوفًا، تتسلَّل عيناها خلسة لتمسح الوجوه حولها خشية وقوع الحدث الخطير الذي قد يطيح بها وبحلم أبنائها الأربعة اليتامى الذين التَفُّوا حول طرف المائدة المنزوية في الرُّكن البعيد من القاعة الفسيحة التي تضم موائد الرحمن لإفطار اليوم الأول من شهر رمضان المبارك والتي اعتاد أن يقيمها كل عام الرجل الثري الخيَّر الحاج صالح في قصره الفخم الذي ينير طرف البلدة الجنوبي.
التصقت عيون الصغار المتعجلة الجوعى بأنواع الطعام والشَّراب مختلفة الأنواع والأشكال والألوان التي امتلأت بها المنضدة ويتزعَّمها بالقطع قطع اللحم التي نسيت أفواههم طعمها ومذاقها ورائحتها منذ شهور، راحت عيونهم الفرحة النَّشوى تقفز بين الأطباق في شوق المحروم و نهم الجائع لتمسح وتتذوَّق وتبتلع عن بعد كل ما تراه أمامها مما لذَّ وطاب من خيرات وقد سال لعابهم غزيرًا ساخنًا استعدادًا لهضم الحديد والحجر والفُخَّار، فقدوا القدرة والجرأة والمغامرة على الهجوم بعد أن كُبِّلت أياديهم المرتعشة بتنبيهات الأم المُشَدَّدَة لهم قبل دخولهم القاعة بعدم لمس أي شيء مما فوق المائدة قبل أذان المغرب وبدء الآخرين في تناول الشراب والطعام.
مازالت السلحفاة تزحف ببطء قاتل فوق أعصابهم المُنْهَكَة حاملة دقائق الزمن في طريقها نحو أذان المغرب حيث محطتهم المرتقبة، لم تكف عينا الأرملة الوجلتان عن التسلُّل لتمسح الوجوه وتحركات البشر هنا وهناك بحذر وخوف وقلق قطة تترقب هجومًا مفاجئًا لكلب شرس ليخطف صيدها الثمين من أفواه صغارها، أصاب الجنون قلبها الخائف فكادت ضرباته القوية المتسارعة أن تحطم قفصها الصدري الواهن، يرتفع صدرها العليل ويهبط سريعًا مغلوبًا على أمره خلف لهاثها العنيف أملًا في اللحاق به بينما عيون الصغار تتنقل حائرة ما بين عيني أمهم وقوة جذب وإغراء ما حُرِموا منه من طعام وشراب وقد تيسَّر أمامهم الآن على المائدة وعلى بعد قبضة يد واحدة ودقائق معدودات في انتظار أوامر أمهم بالهجوم.
ارتفعت الصيحات فجأة عند مدخل القاعة تدعو للحاج صالح الذي أتى ليوزع بنفسه تمر البلح الفاخر على ضيوفه فإذ به يتَّجه مباشرة ومعه رجاله الأشدّاء نحو أقصى القاعة حيث الركن البعيد الذي احتلته الأرملة المسكينة وجوعاها ليبدأ منه توزيع بلحه. وقف الحاج أمامها فرأت أن كل ما فيه أبيض…لحيته الطويلة وثوبه الفضفاض وطاقيته ومسبحته وحتى وجهه المشع ضياء وتقوى وتُزَيَّن جبهته العريضة علامة سجود معمرة، مسحت الأرملة كل تفاصيل الرجل وحفظتها جيدًا في نظرة واحدة بالرغم من أنها لم تره من قبل بينما راح هو يتفحص وجهها الغريب عن المنطقة، سقطت عيناها المرتعشة أجفانهما خوفًا لتصطدما بالأرض ولا تبرحانها ، أحاطت عيون اليتامى بأمهم بعد أن أحسوا بما هي فيه من محنة والتصقوا بمقاعدهم كعصافير وجلة بلَّلها سيل الشتاء البارد، طالت نظرة الحاج فتمنَّت المسكينة فناء اللحظة وتأهبت لتتلقي وصغارها كل ما كانت تتوقعه وتخشاه فأظلمت الدنيا في عينيها وسقط قلبها في قدميها وهرب الدم من وجهها وأطرافها وارتعش كل جسدها ثم استسلمت أخيرًا لقدرها المحتوم.
انتفضت فجأة مرتفعة بعينيها المحمرتين المليئتين بالدموع إلى أعلى نحو وجه الحاج صالح لحظة أن صاح:
– ماذا بك يا “مستورة”…أمد لكِ يدي بالبلح فلا تأخذينه مني؟!
لم تُصَدّق أذنيها وهبَّتْ ترفع يديها المرتعشتين لتتناول منه حفنة التمر فانحسر كُمَّا ثوبها البالي عن ذراعيها اللذين وقفا في منتصف الطريق نحو يدي الحاج الذي تجمَّدت نظراته لحظة أسفل معصمها الأيمن، تنبهت لما حدث وأدركت سريعًا عواقبه فسقط ذراعاها بجوارها، ارتفعت همهمات الرجال المحيطين بالحاج إلا أنه ابتسم ليهدئ من روعها واضطرابها ثُمَّ ضاعف كمية التمر لها ولأبنائها وهو يقول بحنو بالغ:
– احضري أولادك كل يوم يا (مقدسة).

السابق
دلال
التالي
ندمٌ

اترك تعليقاً

*