القصة القصيرة

مواكب الفرح

تستيقظ مع بزوغ الفجر، ترسل دعواتها إلى رب رحيم بالفرج، تؤدي صلاتها وتقرأ وردها اليومي من القرآن الكريم والأذكار.
زقزقة العصافير تعلن بداية النهار، كم تعشق تلك المخلوقات الصغيرة، كم غبطتها على حريتها التي تعيشها، تذكرت كم حزنت حين أحرق المستوطنون شجرة التوت أمام بيتها قبل سنوات، وفِي تلك الليلة المشؤومة بالذات. لقد غدا البيت عارياً خجولاً من نظرات المارة، كم افتقدت زقزقة العصافير التي اتخذتها موطناً، فصارت بلا وطن، كم بكت ذكرياتها مع عائلتها تحتها، واليوم ها قد طلعت الشجرة أقوى من ذي قبل، ها هي العصافير تعشش فوق أغصانها بأمان، و تعود لتمارس طقوس حياتها تحت ظلها كالسابق.
تشرع أم أكرم نوافذ منزلها القديم التي تسكنه منذ خمسين عاماً، فتكتحل عيناها بمنظر القبة الذهبية للصخرة المشرفة التي تجاور بيتها وقد ضمت نور الشمس بين جنباتها، فزادت جمالاً كأنها مركز الكون، وسلبت لبّ الناظر إليها.
تتنشق عبير الياسمين الدمشقي الذي يزين سور منزلها، تعانق ضياء الصباح بقلبها النابض بالحب ، وتخرج إلى حديقتها ولسانها لا يفتر عن الاستغفار والدعاء.
اليوم الجمعة والسكون يعم المكان فترة الصباح، إلا من
من جهة بيت جارهاأبي محمد، فالبيت عامرٌ والحركة دؤبة فيه منذ يومين، إنه عرس ابنهم البكر محمد، رفيق ولدها أكرم، وأخوه الذي لم تلده، قد آن لذلك البيت الذي غمره الحزن عشر سنوات – لأسر محمد في سجن النقب بعد مشاركته في مسيرة ضد الجدار الفاصل- أن يفرح، إنه عرس محمد الذي دامت خطبته لابنة خاله احدى عشرة سنة ، حنين ، خطيبته لم تقبل بفسخ خطبتها منه، بل ازداد حبها له، وتمسكها فيه، فهو بطلها وفارسها وأميرها، وكل بنات جيلها يرغبن بعريسٍ مثله.
الأسر والشهادة هما تاج فخر عائلات البلد، وما من أسرةٍ هناك إلا وتلبس تاج الفخار كبيت أبي محمد.
مرّت ساعات الصباح الأولى وأم أكرم وجيرانها في عملٍ دؤوب، عليهم تجهيز وليمة العرس مبكراً قبل صلاة الظهر، فالوقت يمرّ بسرعة وطرقات القدس تزدحم وقت الصلاة، وحواجز التفتيش نقطة الخطر، المحظوظ من يجتازها دون منغصات وتأخير و تنكيل العدو، إنه يؤخر بعض المصلين حتى تفوتهم الصلاة، ويمنعون البعض من دخول الحرم ،ك. وسلوكيات ما أنزل الله بها من سلطان.
كما أنّ عروسهم تسكن في مدينة بيت لحم المجاورة للقدس، ورغم قربها فحواجز التفتيش تؤخر العبور وتعيق التحرك، إنهم يضحكون ويمرحون وكل واحدٍ منهم يخفي قلقه عن الآخر؛ لكي لا ينغص فرحته، التوتر يحيط بالمكان فنذالة الصهيوني تبرز على الأكثر في وقت فرح الفلسطينيين، في أعيادهم ومناسباتهم، مرت الساعات وحان وقت خروج الموكب لإحضار العروس في “فاردة” مهيبة، تليق بتلك العروس الأصيلة التي ضيعت نصف سني شبابها في انتظار عريسها البطل، خرج معظم أهل الحي وأصرّ العريس على اصطحاب مشايخ عائلته وحيه، فهم أقدر على امتصاص غضب المحتل، وتهدئة الشباب إن تعرضوا للاستفزاز، لكنّ أم أكرم أصرت على البقاء، وانتظار الموكب، ولَم يصرّ عليها أحد، فحكايتها معروفة عند كل أهل الحي.
قبل ثلاثة عشر سنة، وفِي وقت انتفاضة الأقصى المباركة، اضطرت الى مغادرة منزلها إلى منزل والدها لزيارته، فقد كان مريضاً والنزاع في مراحله الأخيرة، تركت ابنها الوحيد أكرم البالغ من العمر خمس عشرة سنة عند والده، لأنها خشيت من استفزاز المحتل والقبض عليه بأي حجة كانت، مرّت ثلاث ليالٍ على تركها وحيدها بعيدا عنها، ولولا خوفها عليه منهم ما فعلت ذلك أبداً، ولكن ذلك المحتل الغادر بعث بالموستطنين ليحرقوا زيتون حديقتهم، ولَم تكن تلك المرة الأولى، ولكنها كانت المرة الأخيرة، وإثر مقاومة أكرم ووالده لهما اقتنصاهما ببنادقهم الغادرة، كأنهم أرانب برية، ولَم يعرف من الذي قنصهم، وقيدت الحادثة ضد مجهول، لا تنفك تلوم نفسها على تركهم آنذاك، فلربما لو كانت لفدتهما بروحها، ربما هدأتهما ومنعتهما من المواجهة بدل أن تخسر أشجارها وتخسرهما، وفوق ذلك لم تستطع رؤيتهما قبل الدفن، لأنّ العدو احتجز جثتيهما ولا زالتا كذلك، فهما ارتكبا جريمة المقاومة.
بقيت مع صويحباتها العجائز يبتهلن لله بأن يتمم الأمر على خير، ونظراتهن تتركز عند أول الحي ينتظرن عودة الفاردة، وقبيل المغرب تصل إلى أسماعهن زغاريد قادمة من باب العامود، ينتشين ويقمن متطلعات لرؤية الموكب من بعيد، اقتربت الزغاريد منهن، وعلت أصوات أبواق السيارات، انتفضن كأنهن شهدن مولد طفل جديد، أحضرن الملح وحبات الحلو والورد ورشقن به الموكب عند دار العريس، إنها الفرحة الكبرى لكل أهل الحي، محمد وعروسه وأهله يستحقون الفرح بعد صبرهم الطويل.
تقترب أم أكرم من العروسين وتصدم رأسيهما ببعضهما كتعبير لأمنيتها بأن يبقيا معاً للأبد، وتخرج صرةً بيضاء من المشد الذي تختصر به، وتخرج منها ليرتان انجليزيتان مشبوكتين بدبوسين قديمين وتشبكهما في بدلة كلّ واحدٍ منهما، تقبل العريس وتغني له بصوتها الضعيف: يا أكرم يا ابو حطة من وين جايب هالبطة.
يا أكرم يا ابو العقال من وين صايد هالغزال
والهيلمان الهيلمان وبدأ يشاركها الحضور الأغنية
الهليمان على تمو تمو يا خاتم سليمان
الهيلمان على طولو طولو يا عود الريحان
الهيلمان على عيونو عيونو يا فتحة فنجان
الهيلمان على شعرو شعرو يا ريش النعام
الهيلمان على سنو سنو يا لولو ومرجان
ثم قطع نحيب النسوة الأغنية وانكب محمد على يديها يقبلهما ودموعه تسبقه قائلاً:
أكرم سبقني بعرسه منذ وقت طويل يا غالية
أخلّ بوعده وفعلها قبلي، وكنا قد تعاهدنا على أن نتزوج أختين وفِي يومٍ واحد
لقد زُفّ إلى الحور العين ، وشهد عرسه أهل السماء
لا بدّ وأنه كان أفضل مني ليختاره الله للشهادة ويتركني.
أولاد عمومة العريس ينادون على النسوة ليحتشمن، فلهم طريقتهم في الفرح.
وسرعان ما تنقلب الدمعات إلى قهقهات تصل السماء، وسرعان ما كان محمد يتنقل فوق أكتاف رفاقه وأحبابه
ولكن تلك الطلقات في الهواء عند الثامنة، كانت كافية ليسكت الجميع ويعم الصمت، إنه موعد حظر التجول،
ولَم يكن ذلك كافياً لإخماد فرحة الجميع، فسرعان ما تفرق الشمل، كل يكمل طقوس الفرح على طريقته، قهقهات أهل الحي تمزق سكون المكان رغم حلول العتمة وانقطاع الكهرباء، وها هم أطفال الحي يشاكسون دوريات المحتل من فوق سطوح المنازل، فتمثيليات التحرير وقتال الجنود التي يؤدونها لا تهدأ في تلك الليالي الصيفية ، والتي تنال الإعجاب من ذويهم ويقومون بمشاركتهم بأدوارٍ مساعدة،
وزفات الشهيد لا تخلوا من الفن والتجديد تصدح بها حناجرهم بعفوية لا مثيل لها.

السابق
الوهم
التالي
العــقــــاب

اترك تعليقاً

*