القصة القصيرة جدا

موتتان

في الغربة الوقت كصقيع الثلج ، ثقيل و مؤلم ، يذوب بعد لأي بصمت . تتلمّس جراح الزمن على ملامح وجهك. ندبات و تجاعيد تقرأ في تعرّجاتها تجارب مرّت عليك ، منها ما بقى لها في القلب ذكرى ، منها ما تلاشى إلا من بقايا آثار مندرسة .
عدت لقريتي المرميّة في جنوب البلاد ، على سفح تلّة مطلّة على باقي القرى المتناثرة كحبّات رطب نفّضها الريح فتبعثرت . أول ما تراه من قريتنا ، مقبرة يقسمها الطريق و مأذنة ومقام ولي صالح . أوقفت سيّارتي عند المقبرة ، لواجب زيارة قبري من أوجداني في ممرّات الحياة، صادفت حالة دفن ، والمشيعين قليل، استهجنت قلّتهم، سألت أحد الواقفين عن الميّت ،قال : إنه عبد الله اليتيم .
تذكّرت سيرته في هذه الدنيا ، وكيف تسلّل نور الحياة إلى عينيه باليتم ، حتّى لُقّب به. ليس لديه في الدنيا إلاّ ظلّه، وفقره. ازدراه الناس فلم يقيموا له وزنا ، ولم يروا له قيمة. فلا يجالسونه في مجالسهم، ولا يستدعونه في مناسباتهم . انزوى ، رأى في البرية ملجأه ، اتّخذ من اصطياد الذئاب هواية ومكسبا . ظنّه الناس أُصِيب بلوثة في دماغه ، تحاشوه لعلمات التوحش البادية عليه …فقد مرّ على الدنيا إلى القبر ولم يترك فيها أثرا ، ولم يتألم لفراقه أحدٌ، إذا ذكر اسمه لا يُرْفق بالترحّم، وإذا ذكرتْ خصال الرجال لا ينسبون له أحداها، تراهم في المقبرة حين دفنه يتحدثون عن فلاحتهم و شويهاتهم…كأنّه لم يكن، كأنّه جاء من رحم مفارق بالممات ، إلى دنيا لها طعم القبور ، ضاقتْ عليه بالرزق، و أغمضتْ عينيه عن كلّ فرحة، فتلاشى في تفاصيلها حتى اندرس، لم يجد إلاّ الذئاب يقتات من اصطيادها . هل تراه خلق من أجل أن يكون لا شيء؟ أم خلق ليحمل عذابات الدنيا وجراحاتها من مولده إلى حافة القبر؟ أم السرّ توارى عنا حتى لا نعرف كنه وجوده؟.
ومضت حيرتي لم تدرك من الأمر صوابا ، ومضى الناس بعد فترة يشتكون من كثرة الذئاب التي أفنت شويهاتهم في وضح النهار…

السابق
الكلاب والحارس
التالي
إشراقـــة

اترك تعليقاً

*