القصة القصيرة جدا

موت أخضر

أضاء الفجر جنبات المكان بخيوط من ذهب قلما تقتحم جحري الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات كي يصبح مؤهلا للسكن لمن اعتادوا على ظلام الأقبية وعتمتها. خيوط الذهب في جحري هذا، تستوجب حفلا راقصا، وأنا اليوم بالصدفة على موعد مع”ياسمين” المقيمة في الجحر المقابل. ليتها تأتي على عجل لتشاركني رقصة الشمس! إنني أسمع خطواتها وأميزها من بين آلاف الخطوات التي أسمعها كل يوم. فيها يرقص الفرح؛ فتبدو كما لو ٱنها فرقة موسيقية متنقلة. ها هي تطرق الكوة بخفة ودلع، والجدار ينحني لها ويصدر تأوهات عاشق متيم يقبل حبيبته. لم أتوان لحظة، هرعت إليها بكل ما أوتيت من حب، وبدأنا نرقص ونرقص إلى أن اختفى كل الذهب. لم أعد أرى ملامحها، تحسست وجهها بيدي، وبدأ فصل آخر من مسرحية دون أضواء في جحر بالكاد اتسع لخطواتنا. عدنا غير مبصرين نتلمس بعضنا في مساحة ضيقة جدا، لقد راق لي الأمر؛ فأنا على تماس مباشر مع نهدين متمردين يحاولان تمزيق خارطة بلد في كل حركة تصدر عنها. لم أتمالك نفسي، غمرتها بقبلات بدءا من غوطتها انتهاء برضاب ينابيعها. تأوهت بغنج ودلال، وأمعنت في تقبيلي؛ لنغيب في فصل شبيه بفيلم البورنو. للعتمة أفضال لا أنكرها أبدا؛فقد اختبرت ثائرين، واقتحمت أرضا بكرا لم يطأها أحد قبلي..يا لروعة الظلام والجحور التي تأوينا! لم أقو على إفلات” الياسمين” هكذا كنت أناديها، ال التعريف تزيد اسمها جمالا وتذكرني بدمشق التي أعشقها. أنا وهي ودمشق، الثالوث المقدس. كل يوم أبدأ صلاتي بثلاث كلمات وأنهيها بها، “دمشق، الياسمين، الياسمين،” هكذا تخف حدة القصف، ولا أعود أسمع القذائف، وحده عبق الياسمين يملأ المكان، ويطغى على رائحة البارود. هنا فقط، يصبح الموت أخضر والحب أخضر ودمشق بغوطتها الخضراء، ودوالي دوما بين ذراعي تنزف نبيذا أخضر، وأنا وسط كل هذا الأخضر غارق وغير واع: أأنا ميت أم حي؟.

السابق
مكافأة
التالي
أصيلَ

اترك تعليقاً

*