القصة القصيرة

موزاييك

” تزييقة ” صوت ” جزمتي ” الجديدة تزعج المارة نظراتهم الخادشة توحي بذلك ، أشعر بأنها صنعت من جلد تمساح أفريقي بائس ساقه قدره إلى ” جزمجي ” مصري أشد بؤساً ، ألسنة الحر تلعق فى الفضاء و فحيح غضب جامح ينفث سمومه في الأُنوف ، أتفادى بقدر الإمكان الوجوه العابسة و زبالة الشوارع و كراسي المقاهي المحتلة للرصيف
أطالع ” اليافطات ” في العمارات على الجانبين الدكتور …. للمسالك البولية و العقم . الدكتور … ..للنساء و التوليد .. الدكتور . …
سؤال لزج يطرح نفسه بلا مقدمات
كيف كل هؤلاء الأطباء فى بلد مريض؟
موعد إعادة الكشف عند دكتور أمراض العقم و المسالك البولية بشارع بورسعيد أعاني من مشاكل فى الخصية خاصة اليسرى هى غالبا لا تعمل لعيوب خُلقية و لم أستطع الانجاب بعد عشرين سنة زواج
أكره ثلاثة أشياء كره العمى و أتشاءم منها تشاؤم البوم ” الفجل و الحمير و رائحة شواء اللحم ”
بذلت جهدى لمعرفة الأسباب فعجزت . ربما بلا مسببات منطقية
زحمة خانقة تكتم على صدري أحاول عبور الطريق قبل أن تُغلق إشارة المرور ، ضجيج و فوضى و سباب و بصق و رائحة شواء تزيد الطين بلة
أُُصعق من صوت عربة طائشة تقتلعني من جذوري أسقط أرضاً مغشياً عليّ و عيني مُعلقة على ” فردة من جزمتي ” الجديدة طائرة فى الهواء
1
أستفيق على صوت رخيم أألفهُ
– نهارك سعيد يا مدام زكية .
إنه ” سعيد أفندى نشأت ” مستخدم فى محل ” منيفاتوره ” قريب
– قوليلي من فضلك بكام الفجل اليوم ؟
+ الواحدة بمليم يا سعيد افندى
– عال .. عال اتفضلى يا هانم
و هو ينظر اليَّ لا إلي الفجل
– مش بطال .. ممنون جدا
هوجة عرابي أصابت القاهرة بالشلل و منشور الخديوي توفيق يوزع فى كل مكان معلناً عصيان عرابي و مروقه و بوارج الإنجليز تغازل الموانيء فى تبجح و أنباء عن خيانة و هزيمة قاسية فى التل الكبير
طرحتي الشاش السوداء إنسلت عنها الخيوط و في طرفها عَقدتُ ثلاثة جنيهات هم ” تحويشة العمر ” و ملاءة لف سوداء كالحة أفترش عليها الأرض
” مشنة ” الفجل أمامي ، أرشه بالماء بلا توقف ليظل طازجاً ” ورور ” يغمز لي ” كمال ” من خلف ” البوفيه ” فطالما راودني عن نفسي
– اصطبح و قول يا صبح و هات كباية الزفت
+ جايلك فى الحال … شاي فريسكا على مية بيضة للسنيورة و صلحووو
يستمر فى ترقيص حواجبه .. بحركة تستفزني
+ ميكونش عندك فكرة يا جميل
– إلزم محلك ع الصبح .. الكابريس بتاعي مش رايق
+ الوصل يا غزال …
ثم يدندن مع سلامة حجازى فى الجرامافون
بسحر العين تركت القلب هايم .. و لا فى القلب غيرك كل ليلة
لا مفر من الردح أحياناً ……
– وصل مين و قلب مين يا ادلعععععدى اسم الله يا أحمد يا عوووومممممرررر .. شوباش و اللى ما يشترى يتفرج .
يهرب الى جحره …….
زوجي لم يعد منذ أخذوه لحفر القناة منذ 15 عاماً و قد إنتهى الحفر و أفتتحت القناة و أحمد عرابي يهدد بردمها من جديد
تنطلق مظاهرة مؤيدة لعرابي من جميع الفئات و الأعمار يهتفون … تحيا مصر.. تحيا مصر .. يحيا عرابي .. الله ينصرك يا عرابي
اللايحة اللايحة .. مرفوضة مرفوضة
أطالع طلاب ” البكالوريا ” فى التظاهرة فى شغف باحثةً عن حمدي ، ” الوردروبا” يجهد العين فى البحث عنه ، كأنك تبحث عن طائر بطريق وسط المئات منه على الساحل ، أجهز له طربوشه الجديد كمكافأة على تفوقه فتفتش عيني عن رأس يعتليه طربوش باهت عتيق
ألتفت بعيداً كي لا أرى حماراً يجر عربة ” كارو ” و رجل يغني
– روووباببيييييكيا
و أسد أنفي حتى لا أشم رائحة شواء تنهمر من مشربيات أحدى البيوت ، لا أكره من الدنيا سوى هاتين ” رؤية الحمير و رائحة الشواء ”
أعداد غفيرة و كأن المحروسة كلها فى باب الشعرية تنتفض ، الزحف يقترب كمستعمرة نمل سفاح دك بعد لأي سور حصن منيع ، خوفي على مشنة الفجل و الطربوش الجديد أكثر من خوفي على نفسي هرج و مرج و إشتباكات لأُصبح فى طرفة عين هريسة تحت الأقدام
أشعر بهبوط و ” كرشة نفس ”
– إسعفني يا كمااال كباية مية بسرعة كماااا…..
يختفى النبض و ينقطع النفس و أغيب عن الوعي
2
أستفيق فى قاعة القاضي الشيخ ” درديرى” على شخص يمسك بتلابيبي و ألم يعتصر خصيتي .. يزعق بلا توقف
– هذا هو قاتل حماري
البلد على كف عفريت العثمانيون أرادوا مصر و ” سليم الأول ” لن يتركها بعد الآن للمماليك
” طومان باي ” يَخلُف عمه ” قنصوة الغورى ” بعد مقتله فى ” مرج دابق ” و يرفض الخضوع و يخرج لمواجهته فى ” الريدانية ” و أنباء عن خيانة و هزائم متلاحقة و سقوط مدوي
أسلحة العثمانيين أحدث و أشد فتكاً
نقف في وسط القاعة على اليمين غرفتان إحداهما للإعدام يتدلي منها حبل المشنقة و الأُخرى للتعزير و الجلد و حمام صغير على اليسار
القبة من طوب الآجر شاهقة فسيحة و نوافذ الأرابيسك تصنع بالضوء الأفانين على الجدران
رائحة دماء و موت تتضوع فى المكان البهجة الوحيدة في بياض الحجر الأبيض الجيري الذي يكسو الجدران – و أن كان لا يخلو من بقع سوداء و ” تلطيخ ” دماء – و رائحة خشب صندل يحترق تضفي على المكان قدسية و مهابة
كرسي وثير فى المنتصف مرصع بالأبنوس يبدو فاطميّ الطراز ما زال خاليا تستشعر هيبة صاحبه قبل عودته من صلاة الظهر
لحظة صمت يتخللها نعيق غراب – يتحين فرصته للإنقضاض على شيء – و حشرجة مجلود تمدد على ” العروسة ” و عيون تتعلق بقادم فى تؤدة و وقار
عينه تقدح شرراً و وجهه نحيف أمرد و عمامة على رأسه ملفوفة بعناية و عباءة سوداء مطرزة الحواف بماء الذهب و خاتم فضي كبير يجذب الأنظار فى خنصر يسراه
– ما خطبكما ؟
– هذا الرجل قتل حماري ضربه بالحجر علي رأسه حتى قتله
يتوجه إليَّ بسؤال
– اسمك ؟
+ أحمد عبد الجبار
كومة من اللحم جنبه تُدعى الكاتب يدون ما يسمعه ، دواءة الحبر أمامه إستحال زجاجها أسود من الوسخ
– سنك ؟
+ 42 سنة
– محل الإقامة ؟
+ الخليفة بجوار مسجد الأمير شيخون القبلي
– عملك ؟
+ سقا
– هل حقا قتلت الحمار ؟
+ نعم يا سيدي القاضي
– لماذا ؟
+ ذاك الحمار رفسني
– اين ؟
+ هناك عند حافة النهر
– أقصد أين موضع الرفس ؟
-+ فى خصيتي
– ما حجم الضرر ؟
أتلوى من الألم ببعض مبالغة
+ ضاعت خصيتي .. خصيتي اليسرى بالأخص
– و لماذا لم تتقدم بشكوى إلينا ضد صاحب الحمار ؟
+ لم أتمالك نفسى سيدي
– كيف تأذن لنفسك بقتل حمار ناهيك على أنه ليس من أملاكك ؟
+ إنه الغضب سيدي
– غرامة دينارين .. و يعزّر بثلاثين جلدة على قدميه حتى يتمالك نفسه عند الغضب
أصرخ بهيستريا ..
+ العدل .. العدل
يقتادوني إلى جحرة الجلد يضعون قدميَّ فى ” الفَلكة “.. ألم الضرب و وجع الخصية و قلة الهواء مع رائحة شواء من تكية السلطان الأشرف قايتباى تنسرب فى المكان جعلوني يغشى عليَّ
3
أستفيق على صوت آذان خافت من مئذنة جامع الأزهر من أمام باب المزينين
خروجي الأن مهمة شبه مستحيلة و لكن ليس منها بُد
القاهرة خاويةٌ على عروشها ، حارة ” برجوان ” بلا نفس و شارع ” المعز لدين الله ” بلا حراك و المجاعة لم تنقشع منذ سنوات و جثث الموتى ملقاة فى الطرقات يأكلها العفن
و نهر النيل منسوبه فى الحضيض و الخليفة المستنصر بالله يبيت على حصيرة في القلعة لا يجد ما يسد رمقه و بدر الدين الجمالى قادماً من ” عكا ” فى مهمة إنقاذ تملؤها الشبهات و الريبة
أتوجه إلى أختي من باب الفتوح إلى الباطنية لأشحذ منها بعض الدقيق فقد أضحى أغلى من الذهب و ما قيمة الذهب إذا لم يجد ما يشتريه
لا دبيب حياة و لا قطط نافرة أو كلاب ضالة
حبذا لو وجدت قطة أو كلب الآن فقد تجاوز سعرهما خمسة دنانير
ظلام دامس و هدوء مروع ، بعد العشاء لا باب يُفتح و لا شباك يُشرع و لا ” قُلة ” ماء يترقرق ماؤها
لم أنتبه إلا و خطاطيف تشبثت بجسمي لأبدو كسمكة في شص و هناك من يهمس لآخر
– يا فرج الله .. يا فرج الله
– سريعاً سريعاً قبل أن ينتبه أحد
و يشداني للداخل
صرخت صرخة مدوية ثم كتم أحدهم على فمي بقطعة قماش مبللة ، تركه مساحة لأنفي للتنفس أشعرني بإرتياح ، تتلمظ شفاههم على لحمي الطري البض كنت سمينة بما يكفي
بلغت الثلاثين من عمري منذ شهرين نفق زوجي و ولداي فى الشدة ،
يمضيا نصف ساعة و أنا أجاهد و أحاول الخلاص و هما يحاولان تقييدي جيداً و تجريدي من ملابسي
أمسك أحدهما سكيناً و قطع قطعتين من لحم فخذي و أنا أتلوى من الألم ناظرةً إليه بتوسل
شممت رائحة شواء لحمي فأحتضر قلبي معترضاً على بشاعة الحدث و آلام فخذي المقطوع تعادل ألم ولادتين فيفيض جسمي العاري ماءاً و يسيل لعابي من فمي بلا ضابط لأغرق فى عرقي و ريقي و دمي بلا وعي
……
– يا أُستاذ يا أُستاذ … مش تاخد بالك
عيني شبه مفتوحة .. أرى خلقاً كثيراً و ألسنة تتحرك تحدث صريراً مزعجاً و السماء تبدو حُبلى بحدث جلل ينتظر أوانه
– أنت كويس ؟ الحمدلله قدر و لطف
فتحت عيني بالكاد و أنا فاقد القدرة على النطق أشعر ببشاعة دهسي بالأقدام و مهانة الثلاثين جلدة على رجلي ، و غشم رفسة الحمار فى خصيتي ، و خزي وركي و قد نقصت منه قطعتان ، لا أعلم من أنا تحديداً و لكني علمتُ الآن فقط لماذا أكره ” الفجل و الحمير و رائحة الشواء “

السابق
موسم الحصاد
التالي
المحطة الأخيرة

اترك تعليقاً

*