القصة القصيرة

مَشَانِقُ الأَوْتَارِ

نسائم الخريف هبّت تزكم الأنوف برائحة البحر، البحر في اضطراب أمواجه كأنّه ملّ قيد الشواطئ، ملّ زرقته الأبدية، تراه يكسر لونه ببياض الزبد المتراقص على سطحه، غيمات في السماء متناثرة، تسوقها النسائم، علّها إذا توحدتْ تغدو وحدتها ماء يغسل وجه الأرض.
مقهى صغير، وقديم، انزوى على سطح ربوة مطلّة على صفحات الأزرق المبسوطة على حدود انحناءات الأفق، تسلّل من قبضة البنايات العالية، من زحمة المدينة الخانقة.
رمتني خطاي على هشيم عتباته، من عادة خطاي أن تحملني إلى عتبات أجهلها، طمعتُ إن جاوزتُ مدخله سأكشف سرّ من جاء، ومن مرّ به، من صمت، ومن أسرّ، ومن مزّق بالصوت ما كان يخفيه…
رواده القلائل تعرف في وجوههم نظرة تعب مسيرة الحياة، كلامهم قليل، تقرأ في عيونهم لغة عجز اللسان عن نطق حروفها، صاحب المقهى عجوز، صار بفعل التقادم في المكان كأنّه جزء منه، منحنٍ، والشيب مازال لم ينه معركته مع السواد. هي لوحة رسمها الزمان لهذا المقهى، فأبقى آثار فرشاته بطلاء الباهت على الجدران، وبشقوق على الأبواب تحصي ما مرّ من السنين. هو يعرف روّاده، يبوح لهم بأسراره، يكشف مواطن الجمال في أركانه، وإن حاولت السنون بتعاقبها طمس معالمه، فعطر قِدَم المكان مازال يرفض أن يغادر.
وقفتُ أجول بناظري، فلا أرى في المكان شيئًا ينبّئ عن زماننا الحاضر الذي مازلنا نحصيه، ويفنين، كلّ الأثاث بسيط، آه ما أروع بساطته، الطاولات، والكراسي شاهدات على عصر مضى، لو كان لها لسان لأخبرتنا كيف كان في المكان صخب، وأناس عرفوا طعم الفرح، حاولت بآلة التصوير المتدلية على عنقي التقاط بعض الصور، فالصور خادمة للذاكرة حين أحاول اجترار لحظة أمتعتني، ثم تسرّبتُ مع نهر اللحظات الهاربة، صورة لشيخ أسند ذقنه على كفّيه القابضتين على عكّازه، ونصف كأس شايه برد لطول مكوثه على طاولة تخلخلت أرجلها، صورة لرجل ينفخ على جمرة أرجيلته، والدخان المتصاعد من فمه يكاد يخفي ملامح وجهه، صورة لرجل محتضن عوده، أسند عليه أذنه اليمنى، كأنّ العود يهامسه بسرّ نغماته قبل خروجها، أمامه رجل يكاد يقبّل الأوراق المفروشة على الطاولة لقصر نظره، وصورة…
اقترب مني العجوز:
ـ أراك في المقهى غريبًا، المكان لم يعتدْ على وجوه الغرباء.
ـ أنا يا صاحب المقهى عاشق عطر بلاد الشرق، قادم من بلاد الغرب، من فرط حبي لكم أتقنتُ لغتكم، فُتنتُ بثقافتكم، أدمنتُ على كتب تروي حضارتكم، وإن تراني ألتقط بعض الصور فلأنشرها في جرائدنا، لأعرّف شعبي ـ الذي مازال يجهلكم ـ أن للشرق حياة قادمة من رحم التاريخ، فالشرق جسر لزمان قد مضى، لزمان الحاضر المتقد، لزمان قادم مازال لم يكشف عن وجهه الحقيقي.
ـ أراك تعرف عنا ما كنّا نجهله !
ـ يا صاحب المقهى المرميّ في حضن البحر، حبي لبلادكم كشف لي عن سرّ نسائم بحركم، عن العطر الملتصق على ملابس المارين في أسواقكم العتيقة، عن أحجار أسواركم التي تتحدّى الزمان ، وتقول له: إن كان لك عليّ من سلطان فهأنذا.
رحبّ بي العجوز، أجلسني بقرب نافذة مغلق بلورها، مطلّة على البحر، الأمواج المنكسرة على بعض الصخور يكاد رذاذها يلامس البلور، وجدتني بجانب ذلك الفنان وهو يدندن على عوده ببعض ألحانه، رآني مصغ إليه، قال لي:
ـ هل أنت من عشّاق نغمتنا، أم الفضول يدفعك للاستماع ما يخالف موسيقاكم؟
ـ أثارتني نغمة الحزن لديك، فمقام الصبا الذي أنت تعزفه مشبع بحنين شابه حزن، فمقامكم هذا فعلا نحن نجهله، فما الذي يبكي نغماتك أيّها الفنان؟
ـ أناملي إن داعبتْ الأوتار تذكّرتُ أهلي، والرفاق الذين مرّوا ونسوا أن يأخذوني معهم، لم يبق لي منهم إلا الذكرى، أغنيها لحنا بللتْ نغماته دمع حنيني، إن رفعتُ صوتي بالغناء تذكّرتُ صحابي في السجن، وهم يردّدون معي أغاني حب الوطن، آه من هذا الوطن أدمى أوتاري، والحروف في الشفاه صارت بثقل الصخور.
ـ هل سجنوك بسبب الغناء؟
ـ بسبب حبّي لهذه الأرض، زرعتها أغنية في قلوب كلّ من هزّه وجد البلاد، حاولوا تكميم صوتي، حاولوا كسر خطاي في الطريق، آه ما أجهلهم، ألا يعلموا أنّهم إن يوما فنيتُ وفنوا، يبقى صوتي مثل نسمة هذا البحر تهبّ على كلّ عاشق، وهم ستمحي السنون كلّ حرف من أسماء نسبتهم.
مسك العود ودندن، اقترب من كان في المقهى، رفع الصوت وغنّى:
لم يبق في الدار زاد
يا بلاد…
إلاّ حلم يسكن قلب العباد.
يرسم في الليل فجره
يصرخ في كلّ واد:
أيّها النوّام قوموا
يكفكم طول الرقاد.

رأيتُ أبدانا تمايلتْ طربا، ورؤوسا انحنتْ، فتحتْ الأغنية عليهم جرحا قديما، وعيونا أدمعتْ، تذكّرتْ من كان في الدنيا لهم حياة، أُخْرِجُوا قصرا قبل أوان الرحيل…
أفزعتنا فرامل سيارة تصمّ الآذان، اندفع خمسة رجال، لهم بسطة في الجسم، وعيون اشتعلتْ من فرط الغضب، مسدساتهم زُرعتْ في خواصرهم، انقضّوا على الفنان، تلاشى بين طول هاماتهم، صرخ فيه كبيرهم:
ـ ألم ننهك عن الغناء يا كلب….؟
ـ ذكرتني والله بقول المعري.
لم يفقه قوله، فمثله لو كان له عقل ما كان مفترسا، انتزعوا منه العود الذي كان يحتضنه بقوة، كخوف الأم على رضيعها، حطّموه أمام عينيه، داسوا عليه بأرجلهم، انصرفوا وكبيرهم يهدّد: المرة القادمة سنحطّم ضلوعك.
ساد الصمت المكان، فنّاننا مازال واقفا ينظر لحطام عوده، انحنى، لملم ألواحه المتناثرة، تدلّتْ الأوتار من بين أنامله كمشانق نصبها عدوّ النغمة الصادقة، حاول أن يخفي دمعته أمام العيون الحائرة، والشاهدة للحظة الاغتيال، لكنّها أبتِ البقاء خلف سور الأجفان المحمرّة.
خرج من المقهى محتضنا حطام رفيق نغمته، كالخارج من الدمار يحمل أشلاء محبوبته، وهو يدندن بصوت تخنقه العبرات:
لم يبق في الدار زاد
يا بلاد…
إلاّ حلم يسكن قلب العباد.
التقطتْ صورًا لكلّ ما حدث أمامي، لكنّ في الذهن صورة كانت قبل الآن لها لون، وأضواء، ورائحة، خدش هؤلاء خانقين الصوت جمال روعتها، بهتتْ ألوانها، خفتتْ أضواؤها، خمدتْ رائحتها.
في الصباح عدتُ للمقهى، وجدته مُغلقَ الأبواب، هل تراه اغتالوه كما اغتالوا بالأمس النغمة الصادقة؟ أقدرٌ على هذه البلاد أن يغتال فيها كلّ ما يبعث في الروح نشوة، وحياة؟ شعرت بشرخ يسري في الروح ، وصورتي التي رُسِمَتْ مُزّقتْ أطرافها، صحوتُ على نعشٍ يحمله ثلّة من روّاد الأمس، وفوق النعش حطام عود، وأوتار متدلّية كالمشانق، دمعت عيناي على حطام صورتي الجميلة، واضمحلّ ما بقى منها من الألوان، سارتْ خطاي خلف الأوتار المتدلّية، وكأنّ كلّ المكان يردّد:
لم يبق في الدار زاد
يا بلاد…
إلاّ حلم يسكن قلب العباد.
يرسم في الليل فجره
يصرخ في كلّ واد:
أيّها النوّام قوموا
يكفكم طول الرقاد

السابق
عازف الناي
التالي
شعراء الليل..

اترك تعليقاً

*