القصة القصيرة

نباح

اعتقدتُ ان الدنيا هي نفسها في كل مكان، وان الكلاب لاتعيش إلا عيشة الكلاب عند اي باب.! لم يخطر ببالي حالٌ غير ان تنفتح الباب صباحا، ويسبقني ذيلي الملوح بذل ( فحتى القرابة في الحروف المكونة للكلمتين : ذيل وذل لم تكن واضحة لي حينها) ،كما يسبقني لعابي، واكاد اقف على قائمتي الخلفيتين متلهفا ان تلقي لي اليد كسرة خبز غالبا حافية، واحيانا مغموسة في سباب مجاني لامبرر له سوى مزاج صباح عكر تضايقه بصقة فائضة تحتاج وجها رخيصا تفرغ عليه رذاذها.! وبعدها تنطلق قوائم القطيع،باندفاعة الجوع، واطلق قوائمي وراءها، وعصا الراعي وراءنا.. احيانا تغريني اشعة شمس الصباح الدافئة، فاسلم لها جسدي واتمدد حالما واظافرها اللذيذة تقلب شعر جلدي وتنزع قطرات صقيع ليلة باردة، وانام لاعوض خصاصا استشعره دائما، ففي النهار القطيعُ، وفي الليل اشهِرُ نباحي مصباحا يصد زحف الليل حول الزريبة، لكن غالبا ما تقذف النوم عن جفوني ركلة طائشة، ولا اسمع سوى عوائي البائس يتردد صداه كلحن حزين لايتوقف إلا حين يتوقف وتر الالم في جسدي، فاستنفر انفي وعيني وارفع ذيلي واطوف حول القطيع ملبيا نداء ركلة الراعي.! وياما قضيتُ النهار وراء القطيع جائعا اهش ذباب النوم عن جفون متعبة،بعد ليلة ملتهبة مع جمع من الكلاب وراء كلبة شهية، وكم ليلة كنتُ مجرد رقم في عدد الكلاب، وكم مثلها عدتُ في الصباح مثخنا بالجراح، ونادرا ماتذوقتُ تلك اللذة اللعينة التي تجعلني احتمل جنون الانياب، لكني في جميع الاحوال كنت اعرف اني ساقضي النهار جائعا وقد تطعمني العصا الحانقة لقمة من ضربة عمياء، عقابا بعد ان تركتُ حراسة الزريبة وذهبت وراء كلبة سائبة. واحيانا كثيرة لا اذهب. اختبأ في الليالي الباردة والماطرة تحت بردعة او في التبن.! واضافة الى كل هذا ، قد تمر بك لحظة اعتباط صارخ فتهطل السماء احجارا طائشة سيقهقه احدها ان اصابك نصرا لدقة لاتخطأ من يدٍ رمتك.! هكذا كان الحال.. وفي كل الكلاب التي اعرف على تراب الدوار،كانت صورتي تنعكس واضحة كما على وجه ماء صاف.! لم اتخيل غير ان اجيد استعمال ذيلي ، واستنفار حواسي وانا ارفع قائمتي الخلفية لابول على جذع قد امرّ به في طريق العودة، فهذا الانسان الذي يؤمننا على بابه، لايكف عن قذفنا بالاحجار والشتائم.! الانسان غريب الاطوار حقا : يحرس بنباحنا وانيابنا حدوده، وحين ينبح هو اعداءه يعيرهم باسمائنا.! ما كان لي ان افهم ذلك، واتخيل حالا غير الذي ألِفْتُ عليه نفسي منذ ان فتحتُ عيني الجروة، لولا صدفة جميلة حبيبة انتصبتْ على طريقي، فجاة. صدفة ليست اجمل من الف ميعاد وحسب، بل ميلاد جديد، دون سابق حمل. لقاح حمله هواء هب فجأة فاينع ثمرا لم يتذوقه لساني الذي اعتاد النباح على عتبة باب ينام هانئا من قبل.. صدفة وضعتْ كلبا لم ار مثله من قبل على طريقي، فعلمني كيف اسحب الطريق الذي رضعتُ اول قطرة من حليب امي عليه وألُفه كشريط لم يعد صالحا، وانسج طريقا جديدا مكانه امده امام خطوات جديدة من قوائم لم تعد تؤمن ان قدرها الركض وراء قوائم القطيع وبيع ناب رخيص ونباح اخرق مقابل كسرة ذليلة وراء باب موصدة.! لم انس كيف فتحتُ فمي دهشة، وانا اراه ينزل من سيارة صياد اتى من مكان بعيد، بعد ان اركنها قرب الدار لينطلق بعدها ببندقيته الى الغابة القريبة في موسم الصيد. لم ار كلبا من قبل يركب في السيارة، كيف لا ونحن كلاب الدوار لم نعتد سوى على النظر الينا ككائنات قذرة، وطالما سمعناهم يكررون وجب ان يُغسل الاناء سبع مرات اذا لعقه لسان احدنا النجس، وغالبا لانلج باب الدار إلا خلسة وكم مرة خرجنا والعواء الاليم يملأ افواهنا الجائعة.! لهذا فتحتُ فمي دهشة، ولم اتمالك نفسي، إذ تبعته ذاك النهار، وتركت القطيع والراعي، رغم اني كنت اعلم ان العقاب ينتظرني.! ولم اندم.. وكيف اندم على نهار كان ربيعا في فصول عمر قاحل.! ؟ لولا ذاك الكلب المحظوظ لما تذوقتُ للمرة الاولى والاخيرة ربما في عمري اكلا نظيفا في علبة نظيفة خاص بالكلاب.! لولاه ما عرفتُ ان الكلاب تعيش في مكان آخر وضعا خاصا يليق بالكلاب.! وصرتُ احلم بسلسة جميلة وراء اقدام رصينة في شارع انيق باتجاه حديقة خاصة بالكلاب حيث ساحتضن كلبة جميلة على مقعد مريح تحت غمزات الكاميرات والابتسامات، وحتى بمسبح اغطس في رغوته، وطبيب خاص، بل وبامكانية ان ارفع دعوة قضائية ضد اي احد اساء معاملتي.! بكلمة، لولا ذلك الكلب المحترم لما نبتتْ تلك الاحلام الجميلة المشروعة في روحي، ولظلتْ روحي صحراءا يهيم فيها غبار تذروه قوائم القطيع، لظلت روحي خواءا يملأه نباح اخرق ذليل.! لهذا انقلبت حياتي منذ ذاك النهار، ولم اعد الى القطيع والزريبة والبردعة الذليلة، صار نباحي عزيزا وغاليا.، لم اعد اقبل ان اعيره مقابل كسرة تملأ معدة جوعي للحظة كي يستطيع الوقوف على باب افتقاره من جديد.! صرتُ شريدا، ابحث عن ما اسد به عورة جوعي بعرق انفي. وصار عظم بسيط يكفيني، بعد ان تشبعتْ روحي باحساس حريتها.. صرتُ احرض الكلاب على العصيان والامتناع عن النباح الرخيص على عتبات ابواب الاسياد، والتطلع الى حال يليق بالكلاب، ورسمتُ لهم صورة واضحة عن جنة الكلاب في مكان آخر على الارض، بحسب مارواه لي ذاك الكلب الذي كان أباً لميلادي الجديد، بل اضفتُ على الصورة من خيالي وجعلتها وردية اكثر ، حتى تستثير خيال الكلاب المتصلب تحت سقف دوار واطئ.! لم يثنيني الخوف الذليل الذي استشعرته في بعض العيون المستكينة، ولا القرف من بعض آخر انزلق نباحه من فمه كبصقة لايممكن ارجاعها وما عاد لسانه المنخول يستطيع ان يتذوق طعم الحرية، ولا العداء الذي ابداه بعض آخر.. واصلتُ طريقي الجديد، دون تردد، ولم اتوقع انه في احد المساءات، بينما نحن مجموعة من الكلاب نتوزع كالعادة على دروب مختلفة بحثا عن ما نسد به الرمق بعد نهار نقضيه متمددين في الغابة بعيدا عن الاعين، ساسمع طلقة مر ازيز رصاصها بقربي، ثم اخرى تصيب كلبا على مرآى مني، ولا اعود اسمع سوى:
– محاربة الكلاب الضالة.!
فاسلم قدمي للريح، بانتظار ان تلحقني رصاصة قادمة.!

السابق
توبة
التالي
شَمس

اترك تعليقاً

*