القصة القصيرة جدا

نبت شيطاني

“مخصوم منك قرش صاغ؛ لأني وجدتك تجلس في الظل أثناء العمل، وقرش آخر؛ حتى لا تكرر هذا الأمر، يتبقى لك من أجر اليوم ثلاثة قروش، تأخذ الآن اثنين والثالث آخر الأسبوع، تفضل مع السلامة”.
ثم نظر في كشف الأسماء الموجود أمامه ونادى على الاسم التالي، هذا هو عم “أنور”، رجل في الستين من العمر، أسمر البشر، ذو وجه مكتظ وأنف غليظ، يمتلك أصابع غليظة قصيرة لا تتناسب مع طوله، يرتدي نظارة سميكة قديمة كأنه عثر عليها في سوق الجمعة – وهو سوق بالإسكندرية لبيع كل ما هو قديم – وجلباب كأنه ولد به وطربوش متهالك، يعمل رئيس عمال لدي أحد مقاولي البناء الأثرياء، في ستينيات القرن الماضي.
لا يُعرف من أين جاء هذا الرجل، لكنه متواجد من عشرات السنين لم يسأل عليه أحد أبدا، ولا يُعرف له أقرباء، كأنه نبت شيطاني ظهر فجأة، في نهاية عمله يذهب إلى حجرته التي تعلو أحد “اللكوندات” البسيطة القديمة في حي “كرموز”، أحد أحياء الإسكندرية القديمة، والذي يعد بدوره مكان لكل العمالة المهاجرة من مصر.
يعمل طول النهار في مراقبة العمال، وحل المشكلات اليومية التي تقع بين العمال والتي غالباً ما تنتهي لصالح من يدفع لـــ “أنور”، فينظر للآخر من أسفل النظارة ويقول له:
– أنت مخطئ؛ لقد تعديت على زميلك ومعي شهود على ذلك، مخصوم منك نصف يومية “أجرة اليوم”.
– يا عم “أنور” والله هو من قام بالاعتداء، أمام العمال.
ينظر “أنور” للعمال نظرة ذات مغزى، ويجحظ بعينيه “من منكم شاهد مع هذا العامل”، لا يتحرك أحد.
– ما رأيك؟
– لا رأي لي، الأمر لله.
كل ما يدور في العمل من مشكلات وخصومات مالية على العمال لا يدري عنها المقاول شيء، كلها تصب في جيب “أنور”، الذي يثير استغراب وتساؤلات كل من حوله، “إلى أين الأموال التي يجنيها هذا الرجل تذهب؟ ليس له أسرة او أقرباء أو أصدقاء ولا يغيّر ملابسه اللهم إلا في فصل الشتاء يرتدي بالطو طويل من مخلفات الإنجليز، إنه لا يشتري حتى الطعام؛ ويعيش على فتات المهندسين أو اغتصابه من العمال عنوة”.
سنوات طويلة تمر، وعم “أنور” كما هو لم يتغير منه شيء إلا ظهور الشيب على شعره، الذي يظهر عندما يخلع الطربوش أشعث، غير متساوٍ لأنه يقوم بالحلاقة لنفسه كل عدة شهور، ولحيته كل عدة أسابيع.
لم ينقطع يومًا عن العمل، قبل أن تشرق الشمس حتى مغربها طوال هذه السنوات، حتى تغيب على غير عادته، يوم.. يومان… ثلاثة أيام… أسبوع، لا يعرف العمال مكان سكنه، ولا يعرفون مكان سكن المقاول الذي يزورهم كل أسبوع أو اثنين حيث يتحدث إلى عم “أنور” دقائق من نافذة سيارته الفارهة، لا ينزل منها؛ ولكن ينحني عم “أنور” حتى يكاد يسقط في نوع من الخضوع، حتى إذا ما انطلقت سيارته تنفس عم “أنور” الصعداء، وابتسم ابتسامة مقتضبة لا تلبث أن ترحل في ثوانٍ ويحل محلها العبوس.
وصلت سيارة المقاول إلي مكان العمل، لم يجد عم “أنور” في انتظاره كالمعتاد، أشار إلى أحد العمال:
– أين أنور؟
– لا نعرف؛ وله أسبوع لم يأتِ؟
– أسبوع كامل، أكيد شبع من المال وبدأ في الإهمال، أو كبر وأصبح لا يصلح للعمل، عقابه شديد.
انطلق بسيارته وهو يكيل اللعنات والشتائم لــ “أنور”، وللعمال، انقضى اليوم، وفي الصباح، وجد العمال رجل في الأربعينيات من عمره، مهندم ويرتدي الملابس الإفرنجية في موقع العمل، وبدأ يتحدث إلى العمال:
“هذا المشروع الذي نعمل به، لابد وأن ينتهي قبل نهاية هذا الشهر؛ حيث موعد تسليمه، وأنا أقترح أن نزيد ساعات العمل حتى ما بعد أذان العشاء؛ حتى نستطيع الانتهاء منه، والمقاول وعدني بأنه في حالة انتهاء المشروع في الوقت المحدد، سوف يقدم لكل العمال هدية جميلة، من الآن بدأ عهد جديد معكم سوف تجدون فيه كل ما يسعدكم ويطمئن قلوبكم، هيا إلي العمل ليس لدينا وقت”، قبل مغادرة العمال، سأله أحدهم:
– أين عم “أنور”؟
– مات، ومن اليوم سوف أكون أنا معكم، وأُدعى “سلامة بك”، ما أسمك أيها العامل؟
– “حسان”، قالها وهو يبتسم حيث توقع على الأقل كلمة ثناء أو شكر، أن لم يكن زيادة في أجرته.
– أنت مفصول من العمل، مع السلامة.
بدأ العامل يعتذر، ويترجى “سلامة بك” أن يعيده إلى عمله، لكن هيهات حتى أن ينظر إليه، وظل العامل في مكانه يندب حظه، بينما رحل العمال كل إلى العمل المكلف به بعد ما شاهدوا وعرفوا ملامح العصر الجديد، عصر “سلامة بك”.
بعد أيام طويلة قيل إن عم “أنور” مات في حجرته، حيث بدأت ريحه كريهة يشمها قاطنو “اللوكاندة” تأتي من قبل حجرته بعد ثلاثة أيام من انقطاعه عن العمل، طرقوا الباب كثيرًا، وعندما لم يفتح، قام عدد منهم بكسره حيث عُثر علي عم “أنور” ميت وبجواره رغيف جاف وقليل من الملح، وصندوق مفتوح به آلاف الجنيهات، والتي صادرتها الحكومة حيث لم يعثر له على أقرباء، ودفعت ببعضها تكاليف المدينة الجديدة التي يقوم المقاول ببنائها لصالح الحكومة كمساكن لعلية القوم.

السابق
ضريبة للفقراء
التالي
أثرٌ

اترك تعليقاً

*