القصة القصيرة

نبشُ الديدان

تسمرَتْ قدمَايَ وشُلّت حركتي، مُتلبِسًا بِالجُرمِ المشهودِ، وقفت حائرًا كالمصعوق وقد أسقط في يدي، لا أدرِي ماذا أفعلُ؟ ولا يفصل بينِي وبينَ الفارسِ الثائر، سوى أمتار معدودة!
بدأتِ الإجازةُ الصيفيةُ الطويلة التي انتظرناها على أحرّ من الجمر، بعدَ نجاحِنا في امتحان الإعداديةِ بتفوق. رفاقِي الجُددُ تعرفْتُ عليْهم حديثًا، مِن ملعبِ الكرةِ الشعبيِّ القريب. فقد انتقلنا حديثًا إلى مسكن قريب من عمل والدي اقتصادًا لنفقات الانتقال اليومي للشركة وتوفيرًا للجهد والوقت الضائع في المواصلات.
مللْنا خوضَ المبارياتِ الدّامية بلا حكم ولا قوانين ملزمة، بِمشاجراتِها اليوميةِ التي لا تفتأ تندلع لأتفه الأسباب، وإصاباتِها المتنوعةِ التي تترك آثارها على سيقاننا وسواعدنا، كأننا في حلبة مصارعة وليس ملعب كرة قدم، فكرْنا من باب التغيير وكسر الرتابة في صيدِ السمكِ، لِدفعِ الفراغِ القاتلِ، بِأقلِّ الخسائرِ. تمثلتِ العقبةُ في الحصولِ على طُعمٍ طازجٍ، يصمدُ معَنا طوالَ اليومِ. بيوتُنا العشوائيةُ تطلُّ على أرضٍ زراعيةٍ خصيبةٍ، لمَّا تمتدُ إليْها يدُ التجريفِ، لِتُحيلَها كأخواتِها، كُتلًا إسمنتيةً كالحةً.
كيفَ وافقْتُ على اقتراحِهمُ المشئومِ، بِالتسلل إلى الأرضِ الزراعيةِ المجاورة، واقتلاعِ شتلاتِ الأرزِ العامرةِ بِكتلِ الديدان الحمراء؟ لم نبالِ بِملابسِنا التي لطخَها الطينُ، ولا أحذيتِنا التي خلعْناها ووضعناها خارجًا، ولا الشمسِ المستعرة التي تكادُ تنسِفُ أدمغتَنا، ولم نشعر في فورة الحماس، بالعرق الساخن اللزج وهو ينساب مِن كلِّ مسامِّنا.
تركزَتْ كلُّ حواسِّنا في النبش عن الديدانِ، وتتبعها وانتزاعِها، وتجميعِها داخلَ كرةٍ مجوّفةٍ من الطينِ الرطبِ لتحفظها من الجفاف، عثِنا في الحقلِ فسادًا كالقرود الهائجة، بعدَ اقتلاعِ عددٍ لا بأسَ بِهِ من الشتلاتِ، وإلقائِها كيفَما اتفقَ.
لم نشعرْ إلَّا بِوقعِ الحوافرِ السريعةِ يقتربُ، وصوتٍ جهْوريٍّ غاضب يصكُّ آذاننا صائحًا:
– مكانَكم يا أولادَ ال…
لم أكنْ لِأسمحَ لِنفسِي بِالوقوعِ في قبضةِ هذا الماردِ الجبارِ، ذي العينِين الحمراوين، الذي نُسجَتْ حولَهُ الأساطيرُ المرعبة، فمجردُ رؤيتِهِ يبعثُ في القلبِ خوفًا، تتضاءلُ بِجوارِهِ أفلامُ الرّعبِ القوطي.
وقفَ ممتطيًا فرسَهُ الأسودَ، ملوِّحًا بِعصا الخيزرانِ الصفراءِ، وهو يُرغِي ويزبدُ، مُهدِّدًا ومُتوعِّدًا، بِالويلِ والثبورِ، وعظائمِ الأمورِ.
بينَنا وبينَهُ ترعةٌ صغيرةٌ، لو نخسَ الحصانَ بِمهمازِهِ لَقطعَها في لمحِ البصرِ، وانحطَّ فوقَ رؤوسِنا كالصخرةِ التي يدفعها السيل. اقتلعْنا أرجلَنا من الطينِ وجلينَ، وتركْنا كلَّ شيءٍ وراءَ ظهورِنا، وانطلقْنا لا نلوِي على شيءٍ. على مهلٍ، دارَ بِالحصانِ خارجَ الأرضِ الزراعيةِ، وشرعَ في مطاردتِنا كما يفعل أبطال الأفلام المحترفين. أو كما يداعب القط مجموعة من الفئران البائسة قبل أن يقرر بأيهم يبدأ وليمته.
لم ألتفِتْ لِلخلفِ أبدًا، فالالتفات من أسباب الهزيمة، لكنَّ وقعَ السنابكِ استمرَّ يدوِّي في أذنِي، ويجيبُهُ وجيبُ قلبِي. تفرقْنا لِنلهيَهُ عنّا عسَاهُ ييأسُ من مطاردتنا، وينفضُ يديه من اقتفاءِ أثرنا.
لا تسلْنِي كيفَ عدوْتُ؟ ولا كمِ ابتعدتُ؟ فقد كان صدري يعلو ويهبطُ ويكاد قلبي يسقطُ تحت قدمي. قادتْنِي قدمَايَ الخائِفتانِ إلى منطقةٍ غريبةٍ متطرفة، لم أطرُقْها من قبلُ، لِأقعَ هناك، في قبضةِ ثلةٍ من المتشرِّدِينَ الذين يقطنُون مقابرَ قريبةٍ. شعورهم الشعثة وملابسهم الرثة لم تدهشني، فقد فطنت إلى أكوام القمامة التي يقومون بفرزها ويقتاتون منها، الذي أذهلني وجعلني أرتعش من داخلي ضخامة أجسامهم رغم صغر أعمارهم، وعضلاتهم البارزة من أثر العمل الشاق. زد على ذلك قسوة نظراتهم وبذاءة ألسنتهم.
دارُوا حولِي دورتَينِ، كالهنودِ الحُمرِ الذين ظفروا بفريسة، وقبلَ أنْ يهجمُوا عليَّ ليفتكوا بي، ولدهشتِي الشديدةِ، تفرقُوا عني في كلِّ اتجاهٍ، لِتلتقطَني يدٌ قويةٌ، وتقذفُ بِي على صهوةِ حصانٍ أدهم كالأبنوسِ، ما لبِثَ أنِ اشتدَّ يعدُو بنا، حتَّى لاحَ بيتي من بعيدٍ.
لم تُسعِفْني الكلماتُ، لكنَّ الفارسَ المُخيفَ أنزلَنِي بِرفقٍ، وقالَ:
– أعلمُ أنَّها أولُ مرةٍ لك، لذا لنْ أخبرَ والدَك بها، لكنْ لا تَعُدْ إليْها، وكُفَّ عن مصاحبةِ هؤلاءِ المخرِّبينَ الأوغاد.

السابق
تناغم…
التالي
صقيع

اترك تعليقاً

*