مقالات

نحو بناء ثقافة ابداعية جديدة في الساحة التلمذيّة

ثمّة أهميّة كبيرة للنقاش الذي بادر اليه القائمون على النوادي الثقافيّة بالمؤسّسات التربويّة والناشطون فيها نظرا لجرأتهم على اقتحام المحرّمات العلائقيّة(بين التلميذ والمدرسة /وبين التلميذ والأستاذ) السائدة وتناول جانب مغيّب من شخصيّة التلميذ ونعني تلك القدرة على الابداع و الانتاج خارج المعايير التعليميّة المبنية أساسا التقييم الجزائي .
وإذ تفعل تلك النوادي ذلك فإنها تستعيد شعارا طموحا ونبيلا وهو”المدرسة معين تكرع منه النّاشئة من أجل التحليق في سماء الابداع ” في زمن تكاد تنكسر فيه الآمال وتنغلق دوائر الحوار . وتكمن أهميّة هذا النقاش في انّه يدعو إلى الاشتغال في حقل الطاقات الخفيّة الكامنة في شخصيّة التلميذ بمعناه الانسانيّ والمستقبلي . بما هو(الحوار/النقاش)تفحّص للبديهيّات وتفكيك للإشكاليات وانتقال من حديث الشعارات إلى صوغ التصوّرات والأهداف والاستراتيجيات .
والحقيقة المؤسفة أنّ المنظومة التربويّة التونسيّة لم تعمل بالقدر الكافي على تطوير اهتمامها بالتلميذ المبدع الرغم من ترسانة المناشير والمذكّرات ذات الصلة بالتنشيط الثقافي داخل المؤسّسات التربويّة . بل انّ هذه المنظومة تعمل بالأهواء و المناسبات على طريقة الوصفات الطبيّة والمواعظ الاخلاقيّة و الفتاوى الاديولوجيّة أكثر بكثير من تعاملها مع مواهب المتعلّمين وقدراتهم الابداعيّة ، وهذا ما يفسّر ضعف الحراك الابداعي داخل مؤسّساتنا وجمود أطرها وأفكارها ووسائل عملها عند النقطة التي انطلقت منها منذ تأسيس المدرسة التونسيّة الحديثة برغم كلّ ما مرّت به من منعطفات وتطوّرات وانجازات .
ودون الاجحاف بحقّ المبدعين داخل المؤسّسات التربويّة من اطار مشرف وناشطين والذين أسهموا في تأسيس نوى ابداعيّة من خلال النوادي فثمّة ملاحظة تتعلّق بإحجام جلّ الاطار التربوي والأولياء عن المساهمة في تطوير نشاط

النوادي الثقافيّة ولم يكونوا بالتالي ذوات ثقافيّة فاعلة . ويمكن تفسير ذلك بغياب الحقل المعرفيي بنفسيّة التلميذ وشخصيّته وهي بصدد التشكّل ، اضافة إلى ضعف الحوار والتفكير النقدي وسيادة التفكير الذي لا يشجّع على الاجتهاد والإبداع والذي يميل الى التصنيفات والأحكام المسبقة مثل خامل ،ضعيف ، توجّهه علمي لا يعمل…وهذا ما أدّى إلى غياب أفكار غير تقليديّة تسهم في نفضض الغبار عن مواهب التلميذ الابداعية وقدراته .
بناء على ما تقدّم فانّ تفحّص الاشكاليات المعرقلة لاكتشاف التلميذ لقدراته الابداعيّة وصقلها يفترض ايجاد معادلات تعليميّة جديدة ومبتكرة لشقّ مختلف الطرق نحو الهدف المتمثّل في مرافقة التلميذ الموهوب ليرتقي إلى مرحلة الابداع وصولا إلى ايجاد تصوّر متطوّر لمنظومة تربويّة تفاعلية تنتقل بالتلميذ من وضع التقبّل والاستهلاك إلى وضعيّة الانتاج ، وبالتالى تحويله إلى شريك فاعل تربويا وثقافيا . وربّما يكون ذلك – بداية – بضبط أهداف دقيقة ملائمة للتحوّلات الثقافيّة والسيّاسيّة والاقتصاديّة التى يشهدها العالم مرورا بالتسريع بإصلاح هذه المنظومة في علاقة بنظام التقييم الجزائي ومحتوى البرامج وصولا إلى تغيير المفهوم الشعبي السائد للعمليّة التربويّة التعليميّة بما يتلاءم والمفهوم الوطني لها. فهذه العمليّة ما هي عليه اليوم تقتصر على الجانب الاكاديمي التكويني الذي استنزف قدرات التلميذ وإمكانياته اساسا ، ويكون ذلك بالتأكيد على خيارات البناء والتطوير لشخصيّة المتعلّم ومواهبه ليصل إلى مرحلة الاستيعاب والتذويب للمسألتين التعليميّة والإبداعيّة مما يجعله ينتقل من حقل التفكير التكويني الجزائي إلى التفكير الخلاّق المبدع .

السابق
تَطَوُّرُُ
التالي
حواس…

اترك تعليقاً

*