مقالات

نحو تعريف عربي للققج

قراءة في نموذج
لما كانت غاية الفنون الإنسانية هي المتعة، والأدب هو أحد هذه الفنون.. فقد اختلفت المدارس النقدية حول مصدر القيمة الفنيّة بين من أرجعها للمورفولوجيا (الشكل والبنية) كالمدرسة الشكلانية، ومن أرجعها للمعنى والفكرة المبتغاة كالواقعية الاشتراكية على وجه الخصوص.. وفي حقيقة الأمر فالمعنى قائم في مختلف أشكال الفنون الإنسانية وبدونها أيضاً، فهو المحمول الذي يحدد حامله صيغ تقديمه لجمهور المتلقين، وهو قائم في ذات المبدع قبل انتقاله للنوع باستخدام وسائل الاتصال اللغوية المحدّدة، كالأصوات الكلامية (فونيمات) ووحدات الصرف والنحو (مورفيمات) في الفن المقروء والمسموع (الأدب).. أو الأنغام والفواصل الموسيقية (الموسيقى).. أو المجسمات والخلاء (النحت).. أو ظلال الألوان وعمقها والمساحات الفاصلة بينها (الرسم).. ووسائل الاتصال إذاً هي مايحدد انتساب الفن للنوع.. وإذا كانت الاعتبارات النفعية هي ما يدخلنا في قيمة المعنى المحمول فإن مورفولوجيا النصّ الأدبي هي ما يجعلنا نمتلك القيمة الجمالية للنصّ.. وفي مساجلات الأساليب اللغوية لل (ققج) فإن نجاعتهاتعتمد أساساً على تمكين أركان الأسلوب في الصيغ التعبيرية الناجزة عبر استخدام وسيلة الاتصال المعجمية التي تبيح الرمز والجراءة وتفتح أفق الدلالات، لتبدو متعة التفكيك والتأويل مجال حركة المتلقي الخبير.. وإذا كان جنس الققج الأدبي ابتكاراً (غربياً) بالأساس فإن نجاعته وأهميته في الأوساط العربية كاستخدام الرواية مثلاً، إنما يعود لوظيفة النقد الأدبي الذي مازال مقلداً هو أيضاً للمدارس الغربية دون اكتراث بحالة الخصوصية الواسمة للبيئات الثقافية الاجتماعية، ومنها العربية على وجه الخصوص.. ونحن لا ندعي امتلاك مفاصل هذا العمل الأدبي ضمن بيئة تحرك بها وكثر مرتادوه، لكننا نسعى لإشراك السادة النقاد المهتمين في إبراز صيغة تعريفية لهذا الجنس الأدبي، تمكنه من الخصوصية الواجبة بدل التقليد الأعمى، فالانتقال من حالة الاستلاب الثقافي إلى استثمار المعرفة في تحقيق غاية الأدب، لمجتمعات أنهكت وفقدت تميزها في صلاتها البنيوية، الاقتصادية والاجتماعية والفكرية… يطالعنا في تأكيد الخصوصية، ميل واضح لإشراك الأجناس الأدبية المدرجة في الحالة الثقافية العربية، كالاقصوصة والنوادر والأحاديث والخواطر والحكم، باعتبارها نماذج مماثلة، تغيب فيها خصائص وسيمياء الجنس الأدبي المحددة له.. وأمام هذا السيل الجارف للتعاريف بالأسلوب اللغوي والمأخوذة أساساً عن ممارسته في أمريكا اللاتينية وأمريكا وأوربا، وتشبيهه بالأساليب اللغوية المقتضبة والقصيرة العربية، فإن من أهم واجبات النقد العربي صياغة التعريف بهذا الجنس الأدبي، ليكون له ملامحه المميزة في البيئة التي يتحرك بها.. وها نحن نقترح صيغة نؤكد أنها ليست ناجزة.. بل نريدها مجال حوار ودراسة لإنجاز الاتفاق الهام على تعريف موائم للخصوصية، حقق شرطه الابداعي والوظيفي في بيئة لها ملامحها وظرفها الخاص.. أضف إلى ذلك أود تأكيد أنني لا أبتكر تعريفاً واسماً للخصوصية، معزولاً عن أركان وتقنيات والتعاريف التي نعت بها،، بل هو إعادة صياغة وترتيب لخصوصيات سردية مرّت عليها أقلام عربية وغربية، لإظهار هذا الجنس الأدبي في صيغ تعبيرية تناسب الواقع العربي المتسم بالتبعية والاستبداد…

كثيراً ما اختلطت المعاني والقيم، في تحديد صيغة تعريفية للجنس الأدبي (الققج)، في بيئة عربية لها خصوصيتها من وجهتين: أولهما شيوع الأجناس الأدبية القريبة من مورفولوجيا (الققج) وثانيهما الطبيعة الاستبدادية السائدة، والتي تلغي نزوع الابداع في الأساليب والأجناس الأدبية الرائجة، لوسمها بتخرصات الشكوى وبث الشجون، كحالة واسمة للرفض والتمرد على الواقع المعيش، أو الاكتفاء بالمديح والقبول واعتماد (المحسنات البديعية) لتأكيد الفرادة والتميز.. فالاستمرارية في ممارسة الأجناس الأدبية (المبتكرة) والمكررة.. وقد نقلت عدواها إلى مقاربة الجنس الأدبي المتحرك بلا هوية تجعل له وظيفة حداثية، تلائم امتهان الأدب في غاياته الإنسانية الجامحة.. والمطورة للممارسة الأدبية في محيطها المهزوم، من أثر الطبيعة الاستبداية السائدة المرتهنة للغرب.. ما يجعل إعادة توزيع الأركان والتقنيات المدرجة في دراسة الأسلوب اللغوي لهذا الجنس الأدبي مغايرة في الأصول التعريفية بين الشرق والغرب،، وإذا كان من حقّ الغرب ملامسة وتعويم القيم الجمالية في الأشكال والبنية (غاية الفن هو الفن ذاته)، فإن مبرر امتلاك هذا الجنس الأدبي وانتشاره وشيوعه، ثم تأكيد تميزه عن باقي الأجناس (في محيطنا العربي) إنما ينقل (الجراءة) من موقع التقنية إلى الأركان فيه.. وذلك لتأسيس نمطاً ابداعياً، أراه مبرراً حتمياً لممارسة هذا الفن، ووظيفته النهضوية في واقع مأزوم. لعل ذلك من القضايا التي استلهمتها مع متابعتي للأجناس الأدبية ومنها (الققج).. إذ كثيراً ما نجد ميلاً لسلوك معابر الأقاصيص والنوادر والحكايا ثم إقحامها قسراً في هذا الجنس الأدبي (ققج) لنعتها به.. قابله شغف نقدي في إبراز الأساليب المخادعة، عبر التركيز على ظلال الألفاظ والنظم البلاغي ومحدودية الإيحاء والانعكاس لصيغ تعبيرية لا تفيد في إنجاز غاية الفن وتحقيق متعته المبتغاة،، على اعتباره جنساً أدبياً مكنته تقنياته وأركانه التي تخصّص بها ليكون وظيفياً، امتلك جراءة النقد في واقع غاب عنه (النقد).. وهذا ما دفعني لامتلاك تعريفاً واسماً لهذا الجنس، أشرت إليه أنه ليس مبتكراً بقدر ماهو تأكيد لخصوصيات مناطة به (قصّة الحذف الدلالي القائم على الجراءة والمفارقة)…
كل مافعلناه إذاً هو إعادة ترتيب خصائص الجنس الأدبي لإبراز قيمة (الجراءة) في واقع مأزوم، يبحث عن أساليب أدبية وظيفية تحقق إمتاعها، من خلال احتواء عاملاً مهماً للمفارقة (العربية)، المدرجة في تاريخ الممارسة الفكرية، وهو أمر ليس ابتكاراً ذاتياً، بل تأكيد لنزوع الأدب إلى احتلال موقعه في استكشاف الواقع ورفضه لتغييره، وأداء وظيفة الأدب بامتلاك أسلوب تميز عن أساليب محايثة في خصائص تبيح دوره الوظيفي، لرفض المألوف والتمرد عليه، مع شيوع أسلوب ميّز المفارقة (العربية) عن غيرها بالإثبات:
الأيرونيئيا اليونانية وأسباب ابتداعها: تميزت الثقافة الأدبية في عهد سقراط وتلامذته أفلاطون وأرسطو، بانتشار السفسطائية التي شكلت أساس الحوار والجدل، وصعوبة المراس في تعميم القيم الأخلاقية التي أنتجتها مدرسة سقراط، والتي ابتكرت أول ممارسة للمفارقة لتسدد بها انتصارها على (السفسطائية)، وانتشار تلك القيم عبر استخدام الايرونيئيا (الطريقة الهادئة في خداع الآخرين) والتي طورها آرسطو للسؤال.. ثم لم تخلص من الانتقادات الحادة التي قدمها صاحب (الضفادع) ارستوفانيس للخروج على تلك المدرسة في تطور لاحق.
المفارقة الأوربية وتعدد أشكالها: نشأ المجتمع الغربي على حرية الملاحة والغزو واختلاط الأعراق والاستفادة من ثقافات الشعوب بالاحتكاك (اليونان، العرب، سوريا ومصر، الفرس والصين والهند) فتشكلت معالم الثقافة الغربية من مزيج قصائد بيولف (الفايكنغ) والكوميديا الإلهية وسرقة المعالم الأثرية والفكرية للشعوب الحضارية القديمة (ترجمات ابن رشد وابن عربي والزهراوي والادريسي وابن الرازي وابن حيان وغيرهم كثر) وقد مكن ذلك من تنوع أبواب المفارقة في الآداب وصياغتها: القول شيء وقصد غيره، أوتعدد وتنوع المقاصد، أضيف له أيرونيئيا سقراط و(ظاهر وباطن العرب.. إضافة لملكات البلاغة وتنوع معاني اللفظ في الاشتراك وجذر السيميائية مع الجاحظ والجرجاني وابن خلدون وغير ذلك كثير).
المفارقة العربية ونجاعتها: ابتكر العرب في واقعهم الحياتي المتسم بسيطرة الفئة الثيوقراطية الإسلامية، أشكالاً عديدة للمفارقة عبر ممارسة ما سمي بالتقية وباطن وظاهر اللفظ والنسق اللغوي، إضافة للتورية والسخرية (أسلوب أبو النواس في امتداح الخمرة وبعض الشذوذ الذي رافق أنماط السلوك في عصره) إضافة لادعاءات الجنون التي درج عليها العرب لعدم المساس بهم.. إذ بالوقت الذي كانت فيه أوربا تلجأ لتقييد وحرق من نعتوا بالجنون كان العرب يتلطفون بهم ويمتنعون عن المساس بمدعيه، كما حدث للشبلي عقب نصح الجنيد له حتى لا يلاقي مصير الحلاج الذي خرج على تعاليم مدرسة الجنيد (التقيّة) فقال فيه الجنيد (عربد)

وللفظة معنى المفارقة (القول شيء وقصد غيره) إذ لم يقصد الجنيد العربدة بمعناها النحوي بل الخروج عن التقية وأساليب مدرسة الصوفية.. ومن جهة أخرى يقول الشبلي: أنا والحلاج شربنا من نبع واحد.. قتله عقله وأنقذني جنوني.

نحو ققج عربية
(قصة الحذف الدلالي، القائم على الجراءة والمفارقة) تعريف ارتضيناه لأساليب فن (الققج) في المحيط العربي، وقد تضمن التعريف لفظة القصة والتي تعني (الحدث والتشخيص والبيئة والاتحاد ووجهة النظر والمعنى).. بيد أن هذه القصة ليست رواية أو (قق) أو أقصوصة.. قامت سرودها على الحدث وتشعباته وتعدده وأجزاؤه، أو المعنى بالخاصّة.. علماً أنه لا قصّ دون ما أشرت إليه.. فالذي يحدد الصيغة التعبيرية لهذا الفن الذي نريده، ما ألزمه به بقية التعريف، كالحذف الدلالي والجراءة، وهي اصطلاحات حوت وطورت مفهوم التكثيف،، كما أن إقامة هذا الفن ارتبط بأركان رئيسية فيه “الجراءة والمفارقة”.. وملازمة الركنين الأخيرين جعل للجراءة خصوصيتها التي ترفض (العربدة) على طريقة الحلاج ولا تدعو (لجنون) الشبلي فقد حوتها المفارقة بأساليبها اللغوية المتنوعة بين الشرق والغرب (كتاب ميوك عن المفارقة).. وقد مكن اختلاف الأزمنة وعياً متطوراً لإنجاز غايات الآداب ووظيفة الفن.. إن ما نبغيه نمطاً حكائياً أتقن الرمز لا للتبجح برفض ماهو قائم وإدانته السطحية المباشرة، بل تضمينه في تنوع الإيحاء الذي امتلك فيه الكاتب صفة (الجراءة) و(الهروب من المحاسبة).. وسوف يكون لنا دراسات شارحة وتفصيلية في هذا المفهوم.. أما الآن فسوف أتناول النموذج المعتمد، والذي حقق شروط هذا الفهم.. في تعرضه لداء المجتمعات التي مازالت تكرر ذاتها في بيئات غيّبها الجهل، وحرمت دافع النهوض…

قراءة في نص الكاتبة أسماء أحمد:
غفلةٌ
طاروا، أطلوا من ثقب السماء الأسود، بحثوا عن أشياء سقطت منهم وهم يعرجون، طالعهم وجه اللاكون يصارع الثعبان، بينما هم يفتحون للحصان بوابة المدينة!

الجراءة في نصّ الكاتبة:
لم ينتج العرب عقيدة أدبية ثقافية، عدا العقيدة الدينية التي ولدتها حضارات الشعوب القديمة، وإذا كانت هذه العقيدة قد منحت العرب زخماً حضارياً كبيراً في آوانها، فإن توقف السيرورة التاريخية للوعي الاجتماعي عليها جعلها عاملاً مثبّطاً ومهماً في أسباب تخلف البيئة الحاضنة.. فالسيرورة محكومة بتنوع العقائد لتكون مواكبة لمسار العقل البشري (خاصّية الإنسان عن باقي الكائنات) في رحلة الإنسان الوجودية.. ومنعاً للبس والاصطياد في المياه الآسنة، فليس ما أعنيه هجوماً على الدين والنزوع الروحي، بل رفض اعتماد العقيدة الدينية الشمولية في محاكمات متطلبات ظروف الحياة، المتغيرة في حركة التاريخ.. ويوضح الأمر الفارق الهائل بين من ترك العقيدة لعصرها فأبدع في مجاراة العقل ونزوعه التأملي الاستكشافي للإفادة وتغيير ظروف الحياة، ومن ارتهن للعقيدة وأرغم في محموله على السعي لإثبات صلاحيتها في كل عصر وزمان.. وقدأورثت الشقاق والصراعات المدمرة العبثية، فتحولت من عقيدة حضارية إلى معيقة للحضارة والنهوض، بما قامت عليه من سفسطائية عبثية لتحديد سمات وخصائص الوجود العيني للبشر.. وكثيراً ما أطلق مفكري الحضارة الإسلامية القديمة جرس إنذاراتهم للانطلاق في ركب التاريخ -كما فعل الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم- لتهمل مبادئهم وتنعت بالتسخيف والإلحاد، وكأن رسول الإسلام لم يقل يوماً: إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واطلبوا العلم ولو في الصين.. ما قصدته هنا ليس التجريح بجوهر العقيدة الدينية بل ممارستها واعتمادها مرجعاً حياتياً للبشرية كما لو أنها طالت كل علوم الأرض وعوامل رفعة الإنسان، لإن مفهوم العقيدة يعني ما اتفق عليه أصحابها لمحاكمات واقع متحرك يغذّيه استكشافات العقل البشري واعتمادها في استمرار السيرورة.. وقد فرض ذلك لهاث العقيدة في إثبات أحقيتها ونجاعتها لظروف تتبدل وتتنوع، كالانتقال من مفهوم الأرض المنبسطة إلى الأرض المدحيّة (الانتقال من نظرية بطليموس إلى ابن الشاطر المدفون ووريثه كوبرنيكوس صاحب الثورة الفكرية الأوربية)، فتأويل اكتشاف الثقوب السوداء في السماء بعبارة النجوم الخنّس (المخفيّة كما في صفات الشيطان الخنّاس أي ما خنس وتخفى).. وفي كل الحالات لم تشكل تلك المفاهيم دافعاً حضارياً للرقي بل للاكتفاء بتكرار العبث والانحطاط…
في تناص جميل مع ملحمة طروادة التي عنت للغرب مقدمة الانطلاق من الميتافيزيك إلى الفيزيك (فاوست غوته) استباح قلم الكاتبة أسماء تلك العقلية السفسطائية في جراءة مفارقة السخرية ممن فتحوا أبواب مدنهم وخيرات بلدانهم لصاحب العقل الحرّ المنطلق (سوبرمان نيتشه) ورمزه الحصان (حصان طروادة) للبقاء في عروجهم الذي لا ينقطع، من الأرض إلى السماء، حيث مجال الإبداع العقلي الميتافيزيكي، وهم بذلك لم يعيرو سمعهم لنصح عرّاف طروادة الذي قتله الثعبان (مفكريهم الذين قتلوا وشردوا ونعتوا بأقذع الأوصاف) بل فرضوا على أنفسهم التبعية والاستعباد.. كحال هيفستوس الأعرج الذي ألقته هيرا ليعمل في خدمة البيوت، أو (اللاكون: أغنام تتسم بإدرار حليبها) وتركوا حصان طروادة (الغزو الاستعماري) يتحكم بأرضهم ويفسدها عليهم.

قراءة في نصّ
غفلةٌ
طاروا، أطلوا من ثقب السماء الأسود، بحثوا عن أشياء سقطت منهم وهم يعرجون، طالعهم وجه اللاكون يصارع الثعبان، بينما هم يفتحون للحصان بوابة المدينة!..

أولاً-لفظة العنونة:
مفردة إنكارية للغفلة وهي السذاجة والبساطة وعدم الفطنة وقلّة التمييز، وقيل في رجل غفل: غير مجرّب للأمور ولا فطنة له.. وفي معجم ابن فارس: ترك الشيء سهواً وربما عمداً، وعرّف الأصفهاني الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلّة التحفّظ، وأراد لها البغوي: ما يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور.. أما الشوكاني فقد فسرها بذهاب الشيء بسبب الانشغال بغيره.. فتحمل اللفظة معنى الشرود وعدم التفكير والاهتمام بالمراد… ورد في القرآن الكريم (وما الله بغافلٍ عما تعملون)البقره85- هود123- النمل93
ثانياً -ألفاظ تشكيلة السرد:
تحت مظلة العنوان، تتالى الحدث القصصي للكاتبة، بجمل قصيرة اعتمدت الأفعال الحركية، متجنبة الشروح والوصف (طاروا، أطلوا، بحثوا، سقطت، يعرجون، طالع، يصارع، يفتحون)..
طاروا.. عقولهم سرحت في الفضاء المعبر عن الميتافيزيك والربط بين المحسوسات وعالم الغيبيات، فأرجعت كل أمورهم لعالم الغيب..(استخدام ساخر للفظ)
أطلوا.. أظهروا ومصدر طلّ طلول، وأطل الزمان: قرب. أطل الدم: أباحهُ.. أطل على حقه: غلبه عليه..(استخدام مؤسف ومحزن بربطه بما تلاه)
ثقب السماء الأسود.. منطقة في الفضاء ذات كثافة عالية كتلتها تفوق مليون كتلة شمسية تصل فيها الجاذبية لمقدار لايستطيع معه الضوء الإفلات منه، ولهذا دعي بالثقب الأسود، فهو يلتهم ما حوله بفعل الجذب (كما في ثقالة النجوم) ويجذب أي جسم يمر بالقرب منه مهما بلغت سرعته، فيحصل ابتلاعه، وقد فسر علماء الفلك ظاهرة الثقوب السوداء بالنجوم المتهالكة والمدمرة والتي تتكثف فتغيب فراغاتها..
تحدد الكاتبة المكان اللائق لمن تخاطبهم.. وهو الثقوب السوداء التي يختفي بها كل ما تحتويه فلا يبدو له شكلاً ولا قوة ولا لون وقد حكم عليه بالسواد والفناء.. إنها السخرية بوعيهم لعالمهم السماوي ولعلها جنتهم التي انتظروها.. (وكأنها تذكر بجنة المعري وبرّ الكوثر الذي قارن به ساخراً برّ الهذلي)..غنيمتهم من السماء التي قضوا أوهامهم في استجداء علومها، وأبعدتهم عن إشغال العقل في تحسين ظروف حياتهم.. كانت الثقوب السوداء التي تهلك من استقطبته، بتأثير جاذبيتها القوية، ليصبحوا أثراً بعد عين، لاشكل ولالون لهم ولاقيمة.. لكأن الكاتبة تعدّل في مقاربة الفيلسوف أبو العلاء المعري للجنة التي حلم بها أسلاف من تتحدث عنهم منذ أكثر من ألف عام حين داعبهم في سخرية، وقارن بين برّ الكوثر وقشور الدوم للهذلي.. في (العاجلة) كما أضاف بهذاالاصطلاح السخرية ممن أهملوا دنياهم.. فقلبت الكاتبة الدعابة إلى المأساة والكوميديا إلى التراجيديا بعرضها للبحث عن (أشياء سقطت) وما أسقط عمداً (لاحظ السخرية المضمرة) هو المعارف والعلوم الوضعية وأصحابها.. بحجة أن (العاجلة -المعري، بوابة المدينة -الكاتبة) فانية قصيرة عند صاحب العاجلة، وأشبعها أصحابها بالجهل والغباء عند صاحبة بوابة المدينة، لانزياحها الجميل مع حكاية طروادةالأسطورية.. حيث رفض أصحاب طروادة الاستماع لعرّافهم، كما رفض أصحاب الآجلة استماعاً لمفكريهم وأصحاب العقول (وكم كثر عددهم عليهم)..
يعرجون.. ورد في القرآن الكريم: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون)الحجر14.. العروج مصدر عرج أي صعد، وعرج الشيء علا.. (العروج في السماء إذاً).. واستخدام العروج هنا جاء لديمومة النظر وبطلان التأويل.. فمن كفر بالله وطالته الآية الكريمة التي قصدت إنكار الكافر لما يراه من عظمة الخالق فيضع له التفسيرات الجاحدة.. هو كمن أنكر ما وهبه الله من نعمة العقل والسعي به لتحسين العيش وتحقيق السؤدد على الأرض.. وأصحاب الغفلة في نص الكاتبة فعلوا ونالوا..
ثالثاً – الخاتمة والمعنى: كما سلم أصحاب طروادة مدينتهم للأعداء، فعلها من (طاروا) في هذا الزمن.. وكما حكم الجهل والغباء بعدم الاستماع لحكيم طروادة، حكم التعلق الأعمى والجهل بأصحاب عقيدة السماء المترفين بمعرفتهم لإنكار علوم فئة العلماء الذين نالوا الويلات منهم.. وفي مراد الكاتبة طارت طروادة وحضارة العرب.. ذهبت حضارة اليونان، وسلّم الأعراب مفاتيح مدنهم لمستعمريهم…

مقاربة تعريف خاص بالجنس الأدبي (الققج)
قبل الانطلاق للحديث في مقاربة تعريف خاص بالجنس الأدبي (الققج) أود تأكيد أن هذا العمل هو مشروع لم يكتمل بعد، وبعرف المذهب النقدي التكويني يمكن تسمية أجزاء هذا البحث بمسودات التعريف، فهي أفكار مازالت في إطار التمحيص والتدقيق، وما صياغتها على صفحات التواصل إلا إحدى النعم التي جادت بها تلك الصفحات، بحكم التطور التقني المعلوماتي المنتشر.. فقد أتاحت الصياغة وإعادة التصويب والتعديل بما يتناسب وطبيعة عملي وأوقات الفراغ للكتابة.. ومن جهة ثانية نكاد لا نعثر لدى المهتمين بنقد هذا الجنس الأدبي على تعريف مكتمل له في ساحتنا العربية، رغم ممارسته ورواجه في أوساط الكتاب العرب.. الأمر الذي يهدد بانحرافه عن أسلوبه اللغوي في اعتماد صيغ لا تحدد الأركان الحقيقية له، كما شاع الاستخدام باعتبار القصصية والتكثيف والوحدة والمفارقة (منهم من أضاف الجملة الفعلية) لتكون تلك الروائز هي ما أطلق عليه أركان (الققج) في المحيط العربي (أهم الدراسات النقدية للحسين والحطيني).. مع العلم أن جميع أجناس الأسلوب القصصي يحق لنا إطلاق تلك الروائز في تحديدها ونعتها بها.. فكل أشكال القصة من الرواية إلى القصة القصيرة فالأقصوصة والحكايات الشعبية والنوادر والأحاديث جميعها ينطبق عليه التحديدات المذكورة…
– القصصية في التعريف:
القصصية سرد حكائي، يقوم على الحدث والتشخيص والبيئة والاتحاد والمعنى، في جميع الأجناس القصصية، وما استخدامها في التعريف إلا للتمييز بين أنواع الفنون الإنسانية والأساليب الكتابية، فالتعبير حدد الفصل عن باقي تلك الفنون (الرسم والنحت والموسيقى…) باستخدام وسائل الاتصال اللغوية المعجمية.. كما حدد الطبيعة السردية القصصية للتمييز عن القصيدة والمقامات والمقالات والتقارير والأبحاث.. والمعضلات التي تواجهنا في مقاربة تعريف لهذا الجنس الأدبي تأتي إذاً من صوغ تعريف يضبط الفوارق مع الأجناس السردية القصصية.. بعد تفرع وتكثيف الأعمال الملحمية الروائية وتنوعها.. حيث رسخ لدينا مفهوم الأجناس الأدبية، لتأكيد التمايز وضبط الفوارق بين تلك الفروع.. والتي حدد لها سماتها الخاصة مع اكتمال بنائها المورفولوجي (حيث مكمن التفريق)…
– استخدام اصطلاح “الحذف الدلالي” بدل “التكثيف” في تعريف (الققج):
التكثيف مصطلح فيزيائي هو ترجمة للفظة Codensation وتعني:
(making something shorter)
وبالعربية: (إجمال أو إحاطة أو اختصار أو اقتضاب أو إيجاز أو تحديد أو تضييق أو تلخيص أو تكثيف).. فالتكثيف اصطلاح دال على تحول حالة مادة من غاز إلى سائل.. اعتمده البعض مصطلحاً مرادفاً لاصطلاح (Displacement)الذي استخدمه فرويد بمعنى الإزاحة في علم النفس، قاصداً به الآلية الدفاعية اللاشعورية في نقل رغبات تستخدم لتهدئة القلق في مواجهة الدوافع العدوانية.. وإذا كان هناك مايبرر الترادف الغربي فإن الأمر لا يبدو مقبولاً في الأصول البلاغية العربية.. ويتضح من معاني اللفظ غياب الدلالة التعبيرية عن خصوصية هامة في (الققج) هي إشراك المتلقي في عملية الذكاء التي يفرضها هذا النمط السردي.. عبر إملاء فراغات الحذف التي يفرضها وتتسع معها دائرة الإيحاء في النسق.. وللحذف أهمية مميزة في البيان العربي البلاغي والدلالي.. جرت به ألسنة البلغاء من العرب (شعراً ونثراً وخطباً ورسائل وحتى في القرآن الكريم..) فظاهرته لا تخفى، ومن مزاياه أنه وسيلة إشارية تشويقية تحفيزية للمتلقي اليقظ.. لتنمية الإيحاء لديه تجاه ما يقرأ.. فهو مسألة تخضع لاجتهاد المتلقي وفق فهمه للنصّ الذي تلقاه، وهو يمهد لاستنباط الذهن للمحذوف، إذ على المتلقي أن يكون على وعي تام بتقدير المحذوف.. أو القرينة التي تمكنه من فهم المسكوت عنه (بداهة أو بشيء من التقدير) لإنها مرشد ودال عليه، والحذف من أغراضه إثراء المعنى وتوسيعه دائرة الاحتمالات الدلالية.. بحيث يسبح الذهن في فضاء السياق، ليفترض صوراً متعددة من التقديرات.. والحذف قاعدة لغوية أصيلة معروفة عند العرب، فقد أجمع البلاغيون أن ذكر مادل عليه السياق إرهاق للعقل وتفصيل لا داعي له، وأن الحذف يحقق الاقتصاد في التعبير، ويفتح المجال للتصور الواسع والاحتمالات المتعددة، بلغة راقية متسعة المعنى.. ويتداخل اصطلاح الحذف بمصطلح الإضمار.. فالحذف قائم على نظام مضطرد للجريان في كل ما اقتضاه السياق ودلت عليه القرائن.. وغايته تنبيه المتلقي اليقظ لقراءة تضاعف اليقظة، وتنبه غفلته وتجدد نشاطه، بإعمال فكره في المحذوف، كما أنه يجعل المتلقي إيجابياً مع ما يقرأ، لإنه يتيح له فرصة البحث والوصول بفكره عن المحذوف، فيمنحه ثباتاً واستقراراً بعد رحلته البحثية، وهذا من أحد أصول التربية الحديثة…

بلاغة الحذف وصلته بالأدب العربي
الحذف من الظواهر اللغوية المشتركة في اللغات الإنسانية، وأكثر ما ثبت ووضح في اللغة العربية لميلها إلى الإيجاز والاختصار، فقد نفر العرب مما ثقل على اللسان لفظه.. وعرف عندهم الإيجاز في (القصر والحذف) والحذف قطع وإسقاط، وبالرغم من اشتراك الحذف والإضمار بالإسقاط فقد ميّز العرب بينهما في أن الإضمار يستوجب ما يشير إليه.. كحذف الفاعل والتعويض عنه بالضمائر.. فاعتبر الحذف ما يمكن الاستغناء عنه أما المضمر فلا بد منه…
عرّف البعض الحذف أنه إسقاط بعض أجزاء الكلام لأغراض دلالية أو معنوية أو نحوية.. ومن تطبيقاته حذف الخبر أو المبتدأ في الجمل.. وفيه تحفّظ العرب على حذف الفاعل، مع استحسان حذف مايصفه، ثم التركيز بالإيجاز والاختصار في الحدث.. وحذفت الأفعال وجوباً وجوازاً(بتوافر القرائن)، كما حذفت جمل من السرود لتجنب التطويل وإكثار ورودها في سياقات الحوار والتهويل والتفخيم والتأكيد والتخويف، وحذفت الحروف للإفهام بلا تكلف ومن أجل الغموض.. وفي حذف الأسماء حذف المبتدأ كما في (وقال عجوز عقيم.. والتقدير أنا عجوز) وللأمر تفاصيله في دراسات اختصاصية لغوية يسهل العثور عليها لدى الراغبين في تشديد البحث عنها..وما ابتغيته من عجالة المرور على تطبيقات الحذف اللغوي هو إيضاح معنى هذا التطبيق اللغوي، ومجالاته الواسعة في أصول الكلام واللغة العربية، لاكتشاف ميزته عن مفهوم (التكثيف) المستعار، وإمكاناته الواسعة في استيعاب تقنيات صياغة الأسلوب اللغوي الذي نحن بصدده.. فهو جدير بالاستخدام مفهوماً بديلاً وركناً هاماً من أركان (الققج) ولعل التعمق فيه وحسن استكشاف ممارساته في الصياغة ما يمتن الأدوات المعرفية لاستخدام هذا الفن، كتأصيل في وسيلة الاتصال، وقد مكن من استشفاف الخصائص الكتابية لهذا الجنس بالاختصار والايحاء والإضمار والتركيز والشعرية ورفض الترهل والوصف والتقريرية وغير ذلك.
– كثيراً مايساء فهم الاختزال الدلالي بإلحاقه عمليات الإسقاط والحذف دون ضابط الدلالة فينقل النسق من الترهل إلى العبث والضياع، ولا بد من تأكيد القيمة الفنية لعملية الحذف والإسقاط التي لا تبغي العفوية بل تحميل الدلالة والايحاء والإضمار في تقانة الحذف وإليكم شاهد من القرآن الكريم.. في الآية الكريمة التي تصف يأجوج ومأجوج (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً) حيث حذفت التاء من اسطاعوا مظهرة بلاغة السرد بالحذف وعدم التكرار وتنوع المعنى والإشارات في لفظتي اسطاعوا واستطاعوا لتنوع التوظيف.. ففي الأولى تأكيد لعدم مقدرة القوم على صعود السد وهو مراد أقل شأناً وصعوبة من المراد بعد لفظة استطاعوا الثانية التي أشارت لعملية اختراق وحفر في السد وهو مصنوع من مواد يصعب اختراقها فكانت اللفظة تعبيراً عن صعوبة الفعل.. وهذا يفيد في تأكيد أن الحذف المراد في بلاغة السرود إنما له وظائف تأويلية وليس مجرد اجتزاء وإسقاط للاختصار…

من أهم غايات حياة البشر المتعة، وهي نوعان حسية وعقلية، أما العقلية فترتكز بقوة على الفن. يتشارك المبدع والمتلقي في إمتاع المُنتّج، وكلما حقق التشكيل الفني انتشاراً لدى المرسل إليه، زاد إمتاع المرسلُ المنتِج… تحدثنا في مقدمة البحث عن الفنون الإنسانية وتفرعاتها ووسائل اتصالها وتفريقها، وهو أمر علينا الاعتراف بقصور المناهج العربية عن ابتداعه، وقد نشأ أساساً في المدارس النقدية الغربية التي نجحت في اكتشاف نظرية الأدب مع ويليك، وكان قد ابتدأ النقد الأدبي مع أرستوفان ومدرسة آرسطو الكلاسية (كتاب الشعر)، ليقوى ويبتدع مدارس متعددة كان من أهمها الشكلانية والبنيوية والسيميائية بتفرعاتها، حيث مازال النقد العربي رهين العفوية والتقليد… على وجه الخصوص ولغاية ترتبط بمادة المقال، سوف أمر على الأساليب اللغوية لفن القصّ وأشكال تصانيفه وتمايزه.. إذ لا تشترط الأساليب اللغوية بأجناسها تحقيق إمتاع المتلقي المرسل إليه، وللأمر صلة وثيقة باهتمامه ومدى نجاح الكاتب في استقطابه وتأمين مصادر إمتاعه إن في لغة الشعر (الذاتية) كما الخاطرة أم في لغة القص التي تتمايز عنهما بموضوعية الكاتب ومدى قدرته على تمثل حالات واقعية لاتستجدي المشاعر التي تفيض بها عناصر القصّ.. وهذه سمة مشتركة لكل أنواع السرد القصصي إن في الأعمال الروائية وحتى الققج والأقصوصة.. ومنها اشتققت مقولة تخصني مفادها أن الشاعر (يُبكي لإنه يَبكي والقاص يُبكي دون أن يَبكي) وهذا جعلني من أنصار وعورة العمل القصصي، وتأكيد المساحة الابداعية لكاتبه، حيث نجح في اعتماد الحيادية تجاه تجربته أو تمثيل تجارب الآخرين بعناية فائقة، في حين ينضبط الشاعر وصاحب الخاطرة في أصول شعورية تنقل تجربته، أو تتمثل مشاعر الآخرين مع الالتزام ببث الخاطر الوجداني لذات الكاتب، ولهذا نعت سقراط الشعراء بالكذب، في حين استند تلميذه ارسطو على التجربة الشعرية لصياغة ضوابطه اللغوية في مدرسته الكلاسية التي سادت أوربا قبل ثورة الأدب.. ونحن ندرك أن كره رسول الإسلام للشعراء في بداية الدعوة المحمدية لم يكن وليد سلوك بعضهم تجاه الدعوة فحسب، بل لإن لغتهم الذاتية لا تستجيب لنزعة العمل الجمعي الذي أراده في دعوته، ولما كانت الصفة المشتركة للأعمال اللغوية الكتابية هي السرود فإن مورفولوجيا السرد (بنيته وشكله) هو العامل الحاسم في ضبط الفروقات التصنيفية للأساليب الكتابية ومنها على وجه الخصوص أسلوب السرد القصصي.. فلما كانت القصة تقوم على الحدث والتشخيص والبيئة الزمكانية والاتحاد ووجهة النظر والمعنى، فإن تصانيفها إنما تعتمد على إشاعة مقوم من هذه المقومات أو تجزئته، فنحقق فصلاً أولياً بين الرواية والقصة والقق المرتكزة على الحدث وتفرعاته وأجزاء منه للتمايز عن الاقصوصة والققج التي تبدو فيها هذه العناصر ثانوية أمام التركيز على الفكرة أو المعنى.. محمول العمل القصصي في كل الأشكال الحكائية.. ففي تصنيف أشكال العمل الروائي والقصصي نستطيع تحديد ملامح العمل بإظهاره الحدث كما في قصص المغامرات (درايكولا) أو البيئة (قصص أميل زولا) أو الشخصية (بعض قصص نجيب محفوظ)، ليبقى ما يحدد الأعمال القصصية المركزة (اقصوصة، ققج) وتنوعها إنما يكمن في المعنى وتوهجه واتجاهه ومدى انشغاله بالتورية والمفارقة، فيمتاز الققج بتعدد المعنى وتنوع انعكاسه (العدسات المقعرة).. ولا تبدو بقية عناصر الأسلوب القصصي ذات أهمية إلا لجهة اكتمال البنية السردية لهذه الأعمال، ولهذا اكتسبت خصوصيات تقنية سردية أهمية بالغة في العمل القصصي للإيضاح.. منها الاجتزاء والحذف والاختصار والإضمار والتبئير والميتالغة والتركيز على علامات الترقيم… لم تقلد الققج العربية مثيلاتها الغربية ومازجت بين أجناس متباينة حققت سمة الاشتراك والتقاطع بينها، لعل أكثرها الاقصوصة والخاطرة والنادرة، فاستباحت الحبكة السردية وقلدت كثيراً الأقصوصة رغم تباين الأجناس، والأمر عائد لامتلاك مقومات غير دقيقة الدلالة أطلقها النقاد الأول في هذا الجنس الأدبي، من خلال الاكتفاء ب(القصصية والتكثيف والوحدة والمفارقة وإضافة فعلية الجملة لدى البعض).. ما يجعل الاهتمام بعناصر السرد أكثر دقّة في امتلاك الجنس الأدبي المراد.. مثل اعتماد الحذف والإضمار والايحاء، وهي عناصر بنائية حواها اصطلاح الحذف الدلالي، ولو تأملنا تلك المفاهيم المعرّفة للجنس الأدبي، سوف نجد أنها لم تضف على مفهوم القصة القصيرة وبعض الأجناس شيئاً، عدا اصطلاح المفارقة الذي وجده البعض مجرد تقنية من تقنيات السرود.
كثيراً ما يقع الخلط بين الأجناس في ممارستنا الأدبية، بسبب النظر إلى طول وقصر تلك الأجناس من حيث عدد كلماتها، فيهمل شكل حامل المعنى أو يتم التصرف به وفق أهواء وميول الكتاب الذين عاصروا ومارسوا أجناساً أدبية شابهتها من حيث الطول، وللحقيقة نقول أن العلاقة بين الحامل والمحمول جدلية تكاملية فلا تستقيم المعاني دون نجاعة حاملها في امتلاك خصائصه الواسمة،

كما أن الحامل لا يحسن انتظامه مالم يقترن بمعناه، وهذا ما يجعلنا نكثر الاهتمام في خصوصية الجراءة والمفارقة للجنس الأدبي الذي تعددت تسمياته في مختلف البيئات الأدبية العالمية، رغم امتلاكه خصائص متشابهة، فأطلق عليه (المايكرو) في أمريكا اللاتينية، والوميض في أمريكا، و(الققج) عند العرب.. والأسلوب الخاص الذي كشف عنه جان بول سارتر في مجموعة الساروت الأوربية، التي ترجمها للعربية الكاتب المصري العشراوي لتكون بوابة الاهتمام في هذا الجنس الأدبي لدى العرب… لقد حمل هذا الجنس الأدبي سماته الخاصة في حامله اللغوي ومحموله (المعاني).. والتي نسعى لملامستها في التعريف بالأسلوب.
في الختام فإن ما نقترحه للتعريف بالجنس الأدبي هو: (قصة الحذف الدلالي القائم على الجراءة والمفارقة).. وربما احتاج التعريف إضافات شارحة لتقنيات البناء، لكنه يبقى الأكثر موائمة لهذا الفن الأدبي كما نعتقد.. وقد تم المرور بالشرح والإيضاح على أركان القص المبتغى في سطور هذا المقال، الذي نأمل له أن يحظى باهتمام كتابنا الأعزاء.

السابق
تذكرة الفراق
التالي
مدمن

اترك تعليقاً

*