القصة القصيرة

نزيلة الجحيم…

نفضت عني قناعاتي بصباحي الثقيل هذا, بصعوبة مضنية وكأنني أنفض عني ثقل سرير المعدني الذي لا يعرف الحرير, فأنا لست بتلك المرأة التي تحلم بالوفير؛ حياة بسيطة كبعض من أمل معجوناً بخبز وماء وغطاء قصير, يعني من كل ما سلف أقله القليل.
أفيق كهذا الصباح المنبعث شمساً من خلف نافذتي الوحيدة في غرفة مربعة مترين في مترين أسفل كل متر كومة أثاث مهترئ, حياة تشبه إلى حداً ما خليط العصير….
كسلة ومترددة وليس بي رغبة في النهوضولا شره في الاسراف بالنوم, أممممم حسناً ماذا عساي أقول, هي حالة منتزعة بين الحياة بالموت, كرغبة واقعية مفادها أنا على قيد الحياة, ورغبة مستترة بيا حبذا أن أموت,,,
كل ذلك اليائس ولا زلت زوجة بدون ولد بعد, بالله عليكم إن حضر ولي العهد فأين سأصبح…!؟ بل كيف ستكون هذه الجنة المربعة المثيرة للضجر بتفاصيلها المهترئة أثاث وجدران وحجر…!
لقد أخبرته في الليلة الماضية التي أتت بهذا الصباح المستعر أنني لا أريد أن أنجب.. ضج في وجهي و لم يستمع إلي, لم يبالي بما قلته, إنه رجل ذكوري جداً, وأنا امرأة منصفة حداً, كذلك الحد الذي يجعلني أفكر مئات بل الاف المرات بأن الحياة التي عشتها في كنف والداي لا أريدها لأولادي مطلقاً, لكنه لا يعي, لا يريد ذلك…! ففكرت حينما خرج حنقاً أين سأضع السرير الملكي, وأين سأضع العابه إن كان له العاب, فنحن بالكاد نُدير تفاصيل معيشتنا المربعة أمتاراً في أمتار. . .
لكنه لا يعي, لا يُريد ذلك…!
وأنا امرأة تكره الغوص في ذات التجارب اللزجة كتكرار حياتين في قدم حياة, فهذه الخلاخل المكبلة بي إلى طرف سريري المعدني مُلكاً تزعجني, ويُزعجني أزيزها جداً بعظمي والحديد, فكيف عساني أتي بطفل بجانبي عظمه بعظمي وحديدي بحديده, لا, لا يمكن ذلك..
ولكنه لا يعي, لا يُريد ذلك…!
نهضت على فزع, كبوس صحوة مظلم بدد بعض خيوط الشمس الهاربة نحوي, , , وها قد اختفت تماماً بعد دقائق فقط, فلم يبقى منها سواء ضوء صاخب يشق مدى النظر في عيناي, يأتي بالعتمة لا أكثر, وأنا لا أحب العتمة في بداية الصباح, خاصة إن كان مطير بالظلمة قبلاً…
أتت تطرق الباب, المسمى باب الشقة المترية “علبتي السحرية” التي أحبس فيها حين ميلادي يوم تزوجت, و لا زلت في كسلي بين الحياة والموت, لتخبرني كل يوم أنني محظوظة بعلبتها الخاصة, زوجة المستأجر أو بالأصح زوجة صاحب العُلبة:
. اِحمدي ربك غيرك طريح الشارع, النازحون يتمنون العز الذي تعيشين فيه…
ـ ههههههههههههههههه, نعم, إنهم يتمنون ذلك, فهناك من جعلني سيدة في قصر مربع مكبلة بالحديد والعظم…والحمد لله أنني لست نازحة, فلو كان الأمر كذلك لوجدت نفسي ايضاً مستأجرة هذا المكان أو قبر أخر شبيه له إلى حد التطابق المقيت حديده وجدرانه ولربما ذات الزوج ايضاً….!
وهذا ايضاً ذات حديثه, زوجي حسن:
. غيرك يتمنى ما أنتِ عليه.
دائما اتناسى أن أساله ما بها هذه الحياة التي جعلتني نزيلة جحيم الحياة . . .! ولكنني أعدل عن ذلك, فأنا زوجة لا تُحب إثارة الصخب, ليس لأنني مُحبه لقد أقلعت عن تمثيل هذا الدور منذ أمد, ولكنني أكتفي الأن بالصخب الذي أعانيه…
. . . قال لي بعد هذا اليوم بأيام: يبدو أنك تحبين أن تنزلي في جهنم, فتلك هي المكان الوحيد الملائم لك…
ـ حسناً إن كانت واسعة جداً, فلما لا…!
ولكن مهلاً أكثير على امرأة مثلي أن تجد متسع لباقي قدميها, أكثير جداً أن أعيش في نزل السلاطين ايضاً…! وعندما أموت تلك حكاية أخرى إذ يجب أن يُهرع بي إلى الجحيم…!
لم أجابهه ف أكتفي بالصمت الصاخب بين حلقي ودمي, الذي يغلي عن الجميع حولي, وعلى أية حال يجب أن أتظاهر بأنني بخير, حتى لا أنُعت بأنني ناقصة عقل ومال ودين ومنزل وحياة وجنة والكثير من هذه الأشياء وغيرها الكثير…. فلقد فكرت في كل نقاش دار بيننا قبل الرحيل, لربما الجحيم نعمة جداً على من يُشبهني…و أنا لا أرفض الانجاب ولكنني أرفض أن أهب الموت لمن أتى للحياة, فشعور مقزز أن تعيش في تابوت للاختناق…
لا أريد أن يفهمني, ولا أريدأن يعي لبؤسي, فهو رجل يقضي يومه خارجاً ويعود ليطارح المرأة التي تعتلي سريره الحديدي الفاخر, يذهب ليعود فيعود لكي يذهب… متعة عامرة يعيشها حسن, وأنا أقارع المستأجرة بحظي الميمون بقصرها المنيف….
و وو بعد شهر وأخر أجبرت على ترك هذا القصر السحري علبة وأصحابه زوج ومُلاك… فأنا لست امرأة ليلية للمتعة المتبقية في جسده المشتد وتراً نحوي, فهذه الحياة ليست جنه ولكنها ايضاً ليست جحيم, ولا أريد رجل يذكرني بأنني في جحيم الدنيا وأن جحيم الاخرة ينتظرني بفارغ صبره نحوي, بل أريد رجل يذكرني بأنني أنثى لي قدمين تكره الأمتار الضيقة تحب الحياة العادية المنصفة وتكره الجحيم الواسع جداً ” ركزوا على تلك النقطة يا أحبائي.”
فهل لي برجل يأخذني من نقص عقلي إلى كمال الجنة الذي تتغنى به الحور العين….
فأنا حقاً عزيزي الصامت حرفاً لا اريد أن أذهب إلى الجحيم, بل أريد رجل يأخذني يداً بقدم إلى النعيم, حينما يذكرني بأن هذه الدنيا والجنان جميلة تنتظر المتلهفين…

كاتبة وقاصة، ماجستير في الإرشاد النفسي.

السابق
بريق زائف
التالي
أشيب

اترك تعليقاً

*