قراءة في مجموعة قصصية

نص الكشف وترسيم المكان في مجموعة “حائط رحمونة”

المجموعة بقلم الكاتب عبد الله كروم

القراءة

تسير القصة الجزائرية نحو مآلات سردية باحثة عن هويّة وخصوصية، ولعلها في ذلك تشتغل وبتجريب على اللغة، حيث تتنوّع مستوياتها التّعبيرية، وما من شك في أن التّجربة القصصية تنطلق من عناصر وحدتها النّسيجية لتقول العالم والواقع والذّات، وبهذا يتحدّد الحدث وخصوصا في القصّة القصيرة من خلال البيئة التي ينتزع منها القاص عناصر حكيه، وهو ما نجده في المجموعة القصصية “حائط رحمونة” للقاص عبد الله كروم.
قي قضض عبد الله كرّوم شيء من رومانسية القصة المنفلوطية، حيث تتأسّس اللغة على الإنسيابية والإنتشار الحكائي المتتابع الذي يمتح من مكوّنات البيئة التي تحيط القاص والتي تشكل هوية نشأته الأولى والمتمثلة في مدينة أدرار.
يحمل نسق الحكي المنساب والجليّ عند عبد الله كروم هويته الأولى من ذات الناص، حيث بساطة الناص ومرحه الخفيف وانفتاحه على الآخر في علاقة جذب، وهو ما يجد دلالته في طبيعة نص عبد الله كروم، حيث يفتح أفقا لتقديم حكاية ذات علاقة بالبيئة والوسط المعيش، وكأنّه بذلك يتأسّس دعوة مفتوحة لترسيم المكان كحالة عابرة للوعي ومهيّأة للتعايش والتّعالق مع المتلقي وإغراءه.
إن أهم ما يميّز مجموعة “حائط رحمونة” هي تلك العتبات التي يفتتح القاص بها نصوصه، والتي هي مقولات مقتبسة من القرآن الكريم أو للنفري أو للتوحيدي…، وهو ما يفتح النص على الإنساني والمشترك، فنص “ماء من دم” يفتتحه بمقولة لـ “غي دو موباسان”: “نحن جميعا في صحراء ما من أحد يفهم أحدا”، وجملة البداية: “في البدء كان الماء”، هذه الجملة تحيل على هوية القحالة الصحراوية، لكن الإنسان لم يستسلم لما وجده قدرا، فراح يبدع مستويات للتعايش مع بيئته، فأوجد “الفقارة” كهوية وخصوصية للمكان الذي يعرفه جيدا عبد الله كروم، ولعبة الهوية هي التي تنتج عناصر الخصوصية النصية لدى القاص وتفتح النص على ما يمكن أن يدمج ضمن السياحة الثقافية، بحيث يوظف القاص مشتملات المكان كدلالة على خصوصية النص.
أن تكتشف، شيء، ولكن أن تكتشف وتنتوي المغامرة فذلك ما تنغلق عليه نصوص “حائط رحمونة”.
هي نصوص قصصية تحمل روح الفرح الفجائي النّاشئ عن انفتاحات غير منتظرة على مجهول كينونة وكيان وجوديين يتقصّدان جلب لحظة انتباه ودمغ المنحى البياني للتلقي بانحناءات حادّة ترغِّب في الإستكشاف، لذلك فالنص ينبني عند حافة التفجّر، فهو نص كشفي.
تحاول قصص المجموعة أن تربط الذّاتي بالإنساني، ففي “مزمار العتبة”، تنبثق الأسطورة كحالة إدهاشية تدمج المتلقي في فضاء رغبة تقصد المكان بفعالياته الحركية، ومنها الأسطورة، فعند عتبة القصبة هناك مزمار يعزف وحده ألحانا جذّابة، ثم يربط السياق بين “أودين” إله البراعة عند السكسون والفايكينغ وتعويذة للمصريين القدامى، ثم تظهر “التْنيسم” التي بكت زوجها حتى طالت أشفار عيونها وامتدّ شعرها وطالت أظافرها، وتتفاعل عناصر الحكاية إلى أن ينتصر النص للمزمار، وهو ما يؤكد الدلالة المكانية التي تتناغم فيها المدلولات كَنَوْتات موسيقية تختلف صعودا وهبوطا لتمنح أعذب الألحان، وتلك هي كينونة المكان.
عبر كل القصص في المجموعة يشعر المتلقي بأن النص هو المكان، لشدّة تناغمه مع عناصره، فهو مفتوح على الإحتضان، على الدّعوة إلى المكان بكل مباهجه ومفاتنه.
تحمل هذه النصوص الرّمز المكاني كدلالة وجدانية قائمة على استمرار الذّات في التاريخ وفي المكان وفي الذّاكرة، نص “حائط رحمونة” على وجه التحديد هو انتقال الذات في الغيبوبة وفي الحضور، فغياب المكان غياب للذات، وحضوره حضور وجودي لها، حيث تصبح النّخلة مثلا وجودية الكينونة الباحثة عن صداها في العالم، وعليه يصبح غياب الماء والواحة هو غياب لعناصر الوجودية الصّحراوية، لهذا ترتقي كينونة الرّقص في النص إلى جوهرانية الحضور الإنساني في شكله الرّافض لمظاهر التّلف الوجداني، كما يؤسّس لذلك نص “رقصة الشمس”:
“نسيت أن أتفقد شمس الكون ترقص. وأغرتني شمس العزباء”.
يتلألأ في هذه الوحدة السّردية جوهر الرّقص بين الصّوفي والإغوائي، اللّذان ينغلقان في عمقهما على دلالتي المحو والإبتكار اللذان يتقلب بينهما المكان في نضاليته الوجودية.

السابق
عن النقد والتدقيق اللغوي
التالي
وظيفة للبيع

اترك تعليقاً

*