القصة القصيرة

نهاية المضمار

جمعتهما أيام الدراسة في الجامعة ، كان مصعب يعيد السنة الأولى ؛ إذ رسب في عدة مواد عندما تعرّف على جعفر ، الطالب النشيط الذي لا يكف عن الحركة والثرثرة ، والتباهي بسيارته السبور ، ومحتده كابن ضابط كبير ، وكثيراً ما كان يجاذب مصعباً أطراف الحديث كلما جاء لشرب الشاي في ندوة الكلية التي يعمل بها ، يضحك مشيراً بيده : يا أخي النجاح يتطلب هزّ الجيب أو الخصر لا هزّ الأكتاف ، لماذا تعب الفكر طالما تمتلك شراء المواد ؟ يكفي حضور الامتحان والخربشة على الورقة ، العلامة مقررة سلفاً ؛ ولكل علامة ثمن .
مرّت السنوات سريعة ، خفيفة الظل على جعفر ، وتخرّج في الجامعة بدرجة جيد جداً . حسده بعضهم ، وزمّ كثيرون شفاههم عجباً ؛ بينما مصعب ما يزال يراوح في سنته الثالثة ، وبجهد مضنٍ ينتقل من سنة لأخرى مصمماً على أن ينهي دراسته الجامعية .
دعا جعفر الزملاء إلى حفلة تخرّجه ، تناولوا أشهى المأكولات ، وشربوا أطيب العصائر ، غنّوا ورقصوا حتى مطلع الفجر . غادروا منزل جعفر وبعضُهم يحلم لو يستطيع أن يفعل ما فعله ، وقبل أن ينصرفوا أعلن لهم أنه صار موظفاً ، بفركة من أصبع والده ، في شركة كبرى من الشركات الناشئة في الآونة الأخيرة في البلاد عارضاً على الجميع تقديم خدماته لهم .
بعد سنوات ضنك شاقة تخرّج مصعب في جامعته ، تقدّم لوظيفة في الشركة نفسها ، وبعد أسئلة واستفسارات كثيرة عن سيرة حياته ، ودراسته ، والأعمال التي أدّاها تمّ قبوله ، وعُيّن في فرع يرأسه زميل الدراسة السابق ، جعفر الذي وجد فيه فرصة ثمينة جادت بها الأيام عليه ؛ إذ عيّنه رئيس قسم هام ، وراح يكلّفه بالمهمات ، ويغدق عليه المكافآت ليُسكتَ لسانه عمّا يعرفه عنه ، ويعتمد عليه في شرح ما يريد القيام به من أعمال ، وليعقد الصفقات مع الآخرين لحساب فرعه .
كان جعفر يسأل رئيس القسم عن المهام التي يقوم بها ، وفي اللقاءات يبدي رأيه فيها وكأنه هو من قدّمها ، وتعب فيها ، يجيب عن الأسئلة باقتضاب خوف الخطأ تاركاً لمصعب شرح الغامض للزبائن ؛ وكأنه تلميذ نجيب عنده ، وليظهر قدراته أمام رئاسة الشركة التي أبدت الإعجاب بأفكاره ، وطرق تنفيذ المهام بالدقة المطلوبة والزمن المبرمج .
كلفته الشركة بعقد صفقة مع مجموعة اتحاد شركات كبرى ترى فيها نجاحاً لها ، ومكسباً مادياً ومعنوياً لم يسبق أن حلمت به . سافر ، كعادته ، مصطحباً مصعباً ، ولمّا تقابل الطرفان ، شرع وكلاء الشركات يسألونه عن الأفكار المقدمة ، وكيف يمكن إتمام المشروع ، وكم يحتاج من زمن . ارتبك جعفر ، ونزّ العرق من جلده ، احتار في الإجابة ، لم يتسنَّ له وقت للتدرب عليها من قبل . نظر في وجوههم ووجوه الوفد الذي معه ، وقال : كل ما تريدونه سيجيبكم عنه معاوني مشيراً بسبابته إلى مصعب الذي يجلس على يمينه صامتاً .
أعادوا الأسئلة نفسها من جديد ؛ ومصعب يجيب عن استفساراتهم واحداً واحداً ، يناقشهم ، ويوضّح لهم أفضل الطرق لتنفيذ المشروع موائماً بين الجودة ، والزمن ، والكلفة اللازمة . حازت أجوبته وأفكاره على إعجابهم ، أجابوه واعدين بالرد على الشركة في وقت قريب جداً .
عادوا إلى البلاد متمنين أن تلقى أجوبة مصعب استحساناً . وبعد أسبوعين جاء تقرير للشركة بالموافقة ، تمّ إرساء المشروع عليها ، مشفوعاً بالثناء على موظفهم مصعب ، وكفاءته ، وغباء رئيس البعثة . قررت الشركة البحث في سيرة موظفيها ، تبيّن أن سبب الخلل بدأ في الجامعة أو قبلها . وصلا خط النهاية ، أُنْهيَ عقد جعفر ، ورُقي مصعب لرئاسة الفرع .

السابق
حادثة حب
التالي
شحيح ….

اترك تعليقاً

*