القصة القصيرة

نهايتها أنثى

مرّ أمام بيتهم، سمع كبيرهم يقول:
ـ يجب أن نقيم الجسور ثم توقف، قال آخر:
ـ لا يا سيّدي نحن بحاجة إلى بناء عدد كبير من القبور، صرخ شخص ذا صوت خشن:
ـ سيّدي عفوا كان على ألا أرفع صوتي أمام حضرتهم، لكني أرى أن الأمر يتعدى كل ما تقولون وإني أرى أمرا غير ما ترون أحتاج منكم فقط أن تستمعوا جيدا بلاغة فكري وجادة صوابي وحقيقة ما وصلت إليه وإنه لنعم الرّاي لو تعملوا به، فهل لكم أن تفتحوا أبصاركم الضريرة وعقولكم البليدة؟ أعلم أن النفس لأمارة بالسوء والجاهل مثلي لا يمكن له أن يصل إلى الحل.
ثم سمعه يضرب بالمطرقة وبالدّف وبحذائه يطلق أصواتا هزازة ثمّ توقف قليلا وراح يزمر ويغني أغنية غير واضحة الحروف، تحرك الأبدان، كلماتها مناثرة ومعانيها مبتذلة.
قام زعيمهم وهو يضحك بأعلى صوته.
هذا هو الإنتاج وهذه هي التّنمية:
ـ هكذا سيستريح شعبي من تعب الحياة، يا أمين الخزينة أنفق من أموالنا من أجل هذه الفكرة ما تطيق.
علا المدينة ضجيج، صخب كبير، دخلوا في دينهم أفواجا، أفواجا، صخب كبير جماعات، جماعات، حتى بلغت شهرتهم الآفاق، قدم إليهم من الأماكن كل راقص ومغني يطمع في الرّضا والأموال فلقب نفسه بالجوهرة وآخر لقب نفسه بالسّكرة.
عاشت المدينة سنينا بين يقظة ونوم، رقص وموجون، نساء وشياطين، قيل كانت مدينة تسمى بالغائظة وقيل مدينة معروفة بالشّعر والشّعور والعطر والبخور وقيل هي مدينة السّحر والشّعوذة، تسمى بالباطلة تمنع فيها الأعمال الشّاقة، شرع فيها حاكمهم التّمتع بالحياة لأنّها حياة واحدة، جاء في الدّباجة من الصّفحة الألفين بعد العشرة.
ـ على كل مواطن أن ينس هموم الحياة، يلعن الحزن مرتين فيذهب عنه ثم يكمل نصه… اللّهو، اللّهو، تمتعوا فإنّ الغناء دواء الرّوح.
مرت الأعوام، عام بعد عام وحوّل المدينة بيضاء بهيجة أفراح وليال ملاح، تزوج الملك ولم ينجب إلا بنتا سوداء، غريبة المظهر، بحث لها عن أدوية شعبية كثيرة فلم يزدد إلا تعاسة.
في صبيحة ذات يوم، بينما كانت الحياة تلبس ثوبها كما تعودت المدينة خرج أحد الحراس يدعوا علماء القرية وعمالها فالزّعيم أخيرا قرر أن يبني قصرا كبيرا لأبنته الزّعيمة فلم يجد منفذا لمشروعه ثمّ جلس يسأل لم سكان المدينة ينجبون ذكورا وهو الوحيد ينجب بنتا، أرسل إلى أطباء المدن المجاورة يطلب منهم دواء يجعل من سكان المدينة يتوقفون عن الانجاب أولا ينجبون إلا إناثا.
قال أحد الأطباء من المدينة العاملة:
ـ سيدي لدينا دواء عجيب نحن نستعمله في مدينتنا كل عشرة سنوات وإنّه لمفيد جدا لم تريدون القيام به، لكن إن زعيمنا له شروط، سيّدي يجب أن نبرم اتفاقا بينا وسننتج الدّواء في الحال وان شئتم نزيد في جودة الدّواء وقدرته على فعل ما تريدون ولعدة سنوات.
قال الزّعيم:
ـ وما هو أيها الضّيف الكريم، لقد أفرحتنا كثيرا بهذا الخبر السّعيد، إذا ما المطلوب.
ـ نريد أن تزوجوا نساءكم لرجالنا وأن تأكلوا مم تنتج أراضينا وأن تتعلموا علومنا وشريعتنا.
وافق الزعيم وخرجوا بما قاموا به مسرورين والحبور يشع من العيون لكن واحدا من الحضور كان متحسرا لا يعرف ماذا يقول وما يعمل.
خرج إلى شوارع المدينة يصرخ في النّاس لا تأكلوا إلا مم تنتج أراضيكم إنكم معرضون إلى الخطر.
كان الجميع يقهقه ويتمتم ماذا يقول هذا الوزير لابد أنه جن؟
ـ يا أهلي ستصير المدينة كلّها نساء، الزّعيم أرسل لكم دواء يجعل من يشاء عقيما ويجعل من الذّكور اناثا احذروا، لن يكون هناك رجال، لا جيش، لا من يخدم الأرض، لن تسمعوا لشاعر و لمغنية سترقص في ميادينكم.
خرج الجند حملوه للسجن وقضى هناك حتى صار شيخا ثم أطلق صراحه ابن الزّعيم.
وجد القرية تعج بالنّساء من كل جنس ولون، الشّقراء والزّنجية والافرنجية، عاد وصاح في المدينة يا نساء المدينة ها قد جاء زمانكم ولقد حقق الزّعيم حلمه وجل أمانيه وها أنتن الآن ولدتن من صلبه ولكن اليوم… أنتن ستقررن وتعشن وتفعلن ما تردن ثم سقط.
حمله أربع شيوخ قال أحدهم:
ـ سمعناه ذلك اليوم يهتف يا رجال، احذروا، احذروا…

السابق
ارتباكٌ
التالي
امل

اترك تعليقاً

*