القصة القصيرة

نيرانٌ صديقة

صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، كبحر تصطرع أمواجه لا تنحسر إحداها حتى تمسك بأعقابها أخرى، رأسه يفور بأفكار سوداء كبركان ثائر تختلط فيه النيران بالدخان، عيناه جمرتان متقدتان يتطاير منهما الشرر، خطواته واسعة متلاحقة كفرس يعدو بأقصى سرعة، على عينيه غشاوة تشظت من تنور عقله المضطرم، فسدَّت عليه منافذ البصر والبصيرة، قلبه يمور بانفعالات شتى يكاد يتميز من الغيظ. لم يكد يعي من قولها إلا أنهم تحرشوا بها ثلاثتهم وأسمعوها ما لا ترضى من القول.
أخته الصغرى مثال للأدب والحشمة والخلق، طالبة الثانوي الجميلة، زهرة ناضرة لا تعرف من الدنيا سوى مدرستها وبيتها، كيف لهؤلاء الأوغاد أن تسول لهم أنفسهم التعرض لها، والأدهى من ذلك دموعها التي انهمرت من عينيها فأحرقته، وهي تنشج فلا يكاد يتبين كلماتها، تبثه شكواها باعتباره الأخ الأكبر والسند بعد وفاة الأب، خرجت من المدرسة مع صويحبات لها وقد آذنت الشمس بالمغيب، تفرقن عنها عند الميدان القريب من محطة الباص، ركبن واستأنفت هي السير إلى بيتها القريب، على ناصية الشارع كان الشبان الثلاثة يكمنون في بقعة مظلمة.
تكره المسير في هذا الشارع لكن لا بد لها من قطعه فمنزلها يقع في طرفه الآخر، وما من طريق أخرى للوصول إليه. حين وقع بصرها على أشباحهم أجفلت كظبية غافلة فوجئت بقطيع ذئاب، توجست منهم شرًا، وأوجست في نفسها خيفة، صدق حدسها حين علا صفيرهم، بدأ أولهم بالتغزل في محاسنها، صدح الثاني بأغنية بذيئة لمطرب شعبي من مستنقعات شارع الهرم، امتدت يد الثالث تحاول لمسها، صرخت لعل شهمًا يخف إلى نجدتها، ما من مجيب، الشارع يغص بأحياء كالأموات، لهم أعين لا ترى وآذان لا تسمع.
أعجبتهم اللعبة لما رأو عزوف الحاضرين عن نجدتها، بدأوا يعرضون عليها مصاحبتهم في السيارة التي تقف بجوارهم، أيقظ تمنعها شياطينهم النائمة، أصروا وأصرت، لطمت أحدهم على وجهه فضحك في استهزاء وطالبها بالمزيد.
جارٌ لها كان عائدًا لمنزله بعد يوم عمل شاق، يمشي مثقلًا بالهموم ينتزع قدميه من الأرض انتزاعًا، يفكر في الأفواه الأربعة التي تنتظره بالبيت، وقطار الأسعار الذي أفلت من عقاله، والشركة التي بدأت تصفي أعمالها، وتنذر بإغلاق أبوابها وتشريد من فيها، بعد ضرب الموسم السياحي في مقتل.
تصدى لهم الرجل فنهروه ثم زجروه ثم نالوا منه، وحين اكتشفوا هروب فريستهم بعد انشغالهم به أخرج أحدهم مدية وشرع في طعنه، لولا أن انزلقت قدمه فطاشت الطعنة في الهواء، سقط الرجل واصطدم رأسه بالأرض فأغمي عليه، أصابهم الذعر حين رأوا الدماء فركبوا سيارتهم وولوا مدبرين.
تجمع بعض الفضوليين. أفاق الرجل وتحامل على نفسه حتى وصل بيته. وصل الأخ الموتور فرأي شبانًا ثلاثة في المكان الذي وصفته أخته، حمل عليهم بعصاه الغليظة، فأسقط الأول وشجَّ الثاني وهرب الثالث بعد ضربة موجعة. حين سكن غضبه تبين أنه أبرح أولاد الجار الثلاثة ضربًا، كانوا قد سمعوا القصة من أبيهم وجاءوا ليقتصوا من الجُناة.

السابق
مفهوم الأدب الشعبي
التالي
أحجار

اترك تعليقاً

*