القصة القصيرة

هاتفي الخلوي يهتز في جيبي

تحادثت مع شاب عن الكمبيوتر وعن الانترنت وعن اختلاط الشباب والشابات، عاد حديثا من اوربا بعد إنهاء دراسته الجامعية، ثم تطرقنا إلى التفسيرات والذهول الذي يقلق قلوب الناس وعقولهم بعد تدمير مركز التجارة العالمي في قلب نيويورك. قال إن والده سيحضر بعد ربع ساعة، ثم نهض ودخل جناح العائلة وتركني في غرفة الضيوف، جناح الضيوف واسع يزينه أثاث فخم وكثير، وله أكثر من مدخل على قلب المنزل، تحضر والدته فنجانا من قهوة نسكافيه، طلبته أن يكون (بلاك) لا سكر ولا مبيّض حتى ولا حليب، طويلة ترتدي ملابس أنيقة تساير الموضة، تقدمت للسلام عليّ، لم أجد صعوبة في وقوف سريع تحية لها، نسيت آلام ظهري الذي يلازمني حين أطيل الجلوس. تجلس على أريكة مقابلة لمجلسي، سرعان ما أشعلت سيجارتها بعد أن استأذنت مني، تشعبت أحاديثنا وتنوعت، تعلو زقزقات العصافير في قفص واسع جميل ملون، حتى إن العصافير على أشجار حديقة المنزل سمعت الزقزقة وتغريد الطيور الحبيسة، فصارت ترفرف وتثرثر حول نوافذ الغرفة التي نجلس بها.
تمضي ما يقارب نصف ساعة، ولم تتوقف أحاديثنا، صرت أتململ بعدها معلنا رغبتي في المغادرة بعد أن أنهيت شرب فنجان القهوة، لكنها أبلغتني أن زوجها سيصل خلال دقيقتين، لأنها كلمته على الهاتف المحمول، قرع جرس المنزل بعدها فإذا بجارنا البعيد يدخل المنزل ويرحب بوجودي، وما لفت نظري أن سيدة البيت أجفلت حين أعلن عن وصول الزوج، نهضت متعجلة كمن يريد أن يقضي حاجة هامة وغابت عن المشهد، لزمت الصمت حتى يبدأ جارنا الكلام، اعتذر الرجل عن تأخره ورحب بي، علاقتنا ليست قوية، وزيارتي كانت للمرة الأولى لهم، فلقاءاتنا كانت مصادفة وخاصة بعد صلاة الجمعة، أو في بقالة الحي.
– حضرت لتهنئتك بعودة ابنك سالما بعد غيبة دراسية طويلة في الخارج. فرح الرجل لامس جبهته ثم نزلت كفه واصابعه تلامس شاربيه، يسند ظهره على الأريكة ويأخذ نفساً طويلاً.
– هل سيجد ابنك وظيفة في البلد؟
– أعتقد أن الأمر ليس سهلاً، لكننا سنتمكن من تدبير الأمر، وإلا لماذا غاب عن أهله واسرته لستة أعوام تكلفنا عشرات الآلاف من الدولارات. تحادثنا بعدها في السياسة وكما هي العادة في كل مكان في بلدنا، امور الحياة صعبة والمستقبل مجهول، فليس امامنا إلا التحدث في السياسة، وتوقعات المستقبل، قال لي
– وهل تتوقع أن تجد أحداً يعرف ماذا يخبئ المستقبل من إعمار أو خراب؟ تحدثنا عن العراق والصومال وليبيا وفلسطين واليمن، بعدها استأذنت للمغادرة. استمهلني حتى اشاركه شرب فنجان قهوة او كأسا من عصير، شكرته وأخبرته أن أهل البيت أكرموني بهذا، مددت يدي للسلام عليه للمرة الثانية، ففوجئت بأن زوجته تقف على مسافة تقرب من ثلاثة أمتارمن مكان وقوفنا، أردت توديعها هي الأخرى، لكنها صلبت كفيها على صدرها، دلالة على أنها لا تسلم على الرجال، كدت لا أعرفها في البداية فاضطربت قليلا، أشاهدها وقت التوديع ترتدي ملابس ساترة رأسها وفتحة قميصها العلوية، كدت ابتسم، لكنني استطعت السيطرة على توازني، فقبل قليل كانت سيدة المنزل تجلس امامي بلباس عادي، وشعرها المصبوغ غير مغطى، بانت تأتأة في كلامي، لأنني عجزت عن العثور على كلام مناسب، قلت مخاطباً جارنا صاحب المنزل
– الليل يريح الإنسان! فأسرع بإجابتي بعد أن غابت زوجته ثانية داخل البيت الواسع.
– إلا أنا ! فنومي ساعة أو ساعتان على الأكثر أغفو بهما وأنسى مواجع داخلية، لم أشأ توسيع الحوار أو التطرق لموضوع جديد مصمماً على انهاء زيارتي، شكرني جارنا على زيارتي، لكنه اختصر كلاما سريعا عن ابنه، أبدى امتعاضاً بأن ابنه يفكر بالعودة إلى أوربا حيث درس، أحسست بمرارة في داخله وضيق، وفي طريقي صوب مخرج البيت خاطبتة وأنا أقف على عتبة الباب الخارجية
– أمثالك لا يقلقون كثيراً، فوظيفتك مع الدولة كبيرة ومضمونة، وابنك سافر في بعثة دراسية على حساب الوزارة،
– نعم، واستطعنا تدبير تذكرة لأم العيال لزيارة ابنها ولحضور حفل تخرجه، ومكثت هناك أكثر من ثلاثة شهور.
حاولت رسم ابتسامة على فمي، لكنني تذكرت أنني أمام باب المنزل مودعاً، أراد جاري أن يقول المزيد من الكلام لكنني قاطعته قائلاً، سامحني فهاتفي الخلوي يهتز في جيبي.

السابق
برودة
التالي
كابُوسٌ

اترك تعليقاً

*