القصة القصيرة

هداية من الداخل..

لف الليل المكان بسواده المخيف ..فلا تكاد ترى صاحبك القريب ..الكل دخل بيته.. إلا صاحب زجاجة الخمرالذي يسميه أهل المدينة ’بوخمرة’ لشربه الكثير لها.
أسند ظهره الضعيف إلى جدار بيت لا يكاد يقوى على حمل سطحه المتهالك..كأنه يريد سقوطا مبكرا ،ترابه يتناثر كدم نازف من جسم عبد أهلكته سياط سيده..!
لم يهمه هذا الأمر، كل شيء جميل مادامت نشوته لا تفارقه؛لقد شرب حتى الثمالة..ليغني أغاني بائعي الهوى بصوت غريب كأنه أسطوانة قديمة..غنى عن الليل وعن الحب وأشياء أخرى لا يقطعها إلا الشراب أوأصوات السيارات المسرعة التي أحدثت بريقا رائعا على زجاجته فجعلته يبتسم إبتسامة صاحب السعادة ..!
ـ يا ليل ..يا ليل يا عين..يا ..يا ..يا ليل..
لم يدر كم فات من ليله السعيد ..! بيد أن ّزجاجته قربت نهايتها.. رأى فيها نهايته ..توقف عن الشرب ليبقى منها شيء يسره وليطول عمرها، لكن ما شربه كان كافيا لتثاقل جسمه الخفيف.. بدأ بعينيه الصغيرتين حيث ملكهما النعاس ملكا تاما،فنام..
تقلّب في مكانه مرات ومرات ..كأنه علبة فارغة تعبث بها الريح..رغم قطرات المطر التي تساقطت منتصف الليل..وكأن السماء بكت لحاله المبكي والمخيف، حتى الكلاب أخافها من كثرة تقلباته..فهربت بعيدا..بعيدا.
استمر المطر لفترة طويلة ..حيث بلل المكان بعض الشيء..ليوقظ “بوخمرة” من نومه العميق والرهيب..
قام جسمه الثقيل بكل قوته حتى جلس،واستوى في الجلوس ..التفت يمينا وشمالا فلم يجد غير السواد الحالك
وزجاجته التي غسلت غسلا تاما كأنها لم تكن يوما للخطيئة ولاللخطائين ..!
مدّ يديه للمطرفغسل وجهه المملوء بالوحل..
أعجبته طقطقته المسلية حين لاعب زجاجته المغسولة وجدار البيت، ورائحته الزكية حين لا مس التراب..
كانت لحظات رائعة ، زرعت في وجهه ابتسامة واسعة، ومسحت ملامحه البائسة.
لكن سرعان ماقطعها صوت رائع كان يخرج من النافذة ، كأنه القطرات المتساقطة، ثم تحول إلى ما يشبه خريرالماء المتدفق برفق، ثم إلى قراءة غير مفهومة أو بعيدة ،ممزوحة ببكاء كبكاء طفل معاقب بفعل فعله أو جرم ارتكبه..!.
ـ يارب..ماهذا..؟ ماذا يحدث..؟
ألصق أذنه بالنافذة ..سمع وأنصت كل الإنصات فدخل في عالم غير عالمه الذي يعيشه،كل الأشياء شاخصةأمام عينيه :”جنة و نار، ملائكة وزبانية،استبشار وخوف..
هذا رجل يبكي على مافعل من جرم في حياته، كان يظن أن الدنياهي داروحيدة ولا دار غيرها،أكل الأخضر واليابس ..بطش بغيره..أذاقهم لباس الخوف..
أنت الآن أمام عدالة العادل ..
وهذا فرح مستبشر ينادي :لقد فزت ورب الكعبة..لقد فزت..
نسى كل ما لاقاه من ألم ..لقدكان يسارع في الخيرات ،يعلم أن الدنيادار عبور..
ـ الحمد لله كنت أعلم أن الله لا يضيعني..الحمد لله..الحمد لله..”
كان مشهدا رائعا..
أذابه كما تذاب قطعة الشحم .. بكى بكاء شديدا ..بحرقة ..ندم على كل فعله حتى أصابته غيبوبة ..لم يفق إلا على صوت فتى خارج من الدار وهو يقول: بسم الله توكلت على الله..
قال في نفسه ـ وهو يحاول القيام ـ:
ـ ماشاء الله ..ماالذي كان يبكيك ياولدي ..أنت لم تفعل شيئا.. أنت لم تشرب الخمر مثلي..أنت لم تأكل الربا يابني..أنت لم تظلم الناس.. أنت تقوم الليل،عينك تبكي من خشية الله..
تبع خطواته رغم تثاقله إلى غاية مسجد المدينة.. عنده تنحى جانبا وقال :
ـ أنت لست طاهرا ..أنا غير متوضئ..
من حسن الحظ ‘الدش’ كان مفتوحا وأذان الصبح لم يحن بعد..
دخل واغتسل ..ثم دخل المسجد وهو يرتجف ..
التفت إليه المصلون وهم يتمتمون : “بو خمرة “في المسجد ..يا الله..الله أكبر..
أذن المؤذن ..وصلى الجميع ..وبكى بكاء شديدا ، أبكى معه من في المسجد..
..لكنه لم يصل صلاة الظهر.. !
..لقد صلى عليه الجميع ..
..رحمه الله..

بختي ضيف الله

شاعر وقاص جزائري، ..

السابق
غِراسٌ
التالي
جوع آخرُُ

اترك تعليقاً

*