القصة القصيرة

هذيان …. في التركيب والترتيب …

بعد إلحاح، جاء أبو عبد الله يحمل عدته في حقيبة صغيرة، اعتذر عن تأخره ووالدي يقول له: (ولا يهمك )! أخذ يعاين شجرة الخوخ وهو يتحسس أغصانها برفق، أمسك وشد بكفيه وهو يصل عند نقطة معينة،أخرج منشاره وشق الغصن ثم قطعه،أخرج سكيناً طويلةً، وبحذر أحدث بما تبقى من الغصن شقاً مائلاً، أخرج من كيسه غصناً بُتر حديثاً وأحدث به شقاً مائلاً أيضاً، ألصق الشقين، وأخرج من جيبه قطعة قماش بيضاء لف بها الغصنين مرات ومرات، ثم عقد القماشة بشكل جيد.قال لوالدي:إن هذا الغصن سيلتحم بالغصن الآخر، وبعد أن يشتد سيبدو وكأنه غصن منها، لكن ثمره سيكون مختلفاً. ورشف آخر ما تبقى من كأس الشاي ومضى وهو يقول: (سنة الله في خلقه ).
مضى النهار وأنا أراقب الغصن وقطعة القماش البيضاء وهي تلفه، والأسئلة تطرق رأسي، تقتحم بلا استئذان وجداني. لا أكون على ود مع اللون الأبيض حين يكون قماشاً رقيقاً.أشعر بالاختناق.طقوس جارنا (الفلسطيني ) أبي عبدالله ذكرتني بأعراس الشهداء، استعداد بكامل التفاصيل لفرح يعلن انتصاب الموت وانتهاء الحياة؟! بل هي قيلولة في تعب العمر، ثم مطلق السعادة لحياة أبدية.و(أبو عبدالله) وحده من يتقن هذا، يجرح عنقاً ويقطعه فتولد آلاف الأغصان، وثمر متعدد بألوانه وطعمه، وعلى شجرة واحدة تعطي الجميع دون أن تستعمل استثناءات وقوانين بغيضة.
بدأت العتمة بالتمدد بعد أن جمعت الشمس كل خيوطها، وكان ضوء السراج يقفز كلما عبث به الهواء،ثم مرة يرقص بعفوية. جلسنا بغرفتنا وليلنا الطويل، وبدأوا يستسلمون لإغراءات النوم وأحلامه، والعتمة لا تقدم غير الفراغ والوحشة. نام الجميع وأنا أفكر، أحلل ببساطتي وطفولتي ما حدث، أتساءل كيف لي أن أقف أمام شجرة خوخ وأقطف منها المشمش. أو أن أقطف برتقالة وأنا أشمّ رائحة التفاح. أحاور نفسي،أسألها وتسألني،أوافقها وتعارضني،وأحيانا أسألها وتبقى صامتة. ثم تسألني وأصمت، وكلانا يمعن بالآخر؛ هل نحن اثنان؟!! إذا كنا كذلك فمن منا الغصن ومن منا الشجرة؟! وأحسست بتمردها. تحاول أن تنزع مني سلطتي، تقول لي: لطالما أمرتك وأنت تلبي. فقلت لها : كانت تلك رغبتي.أنا أعرفك جيداً لا تشتهين الخير. وصمتنا. تساءلتُ: أهي لي أم أنا لها؟! أم أنا من حملها حين استجدتني تباً لهما؛ نفسي وروحي؟ ماذا لو كانت ثالثة فينا؟! أم أن الروح هو أنا، وكل من فينا هو الذات؟ من منا الأصل، من منا الذات؟ ومن هم الأغصان والصفات ؟! ربما جميعنا أجزاء للذّات/ الشجرة؟ وابتسمت وأنا أشعر بفراغ أسئلتي وهذا التقسيم العجيب. لكن الأسئلة لا تأتي من الفراغ، شعرت أن رأسي طافحة بالأسئلة والإجابات غير المؤكدة، حاولت أن أغفو بعد أن درت بوجهي إلى جهة أخرى، لكن حديث أبي عبدالله كان يأتي واضحاً وهو يقول لوالدي:أجسادنا تضيق على أرواحنا ــ فترحل وتتركنا حين نغفو،أما النفس فهي من يشدنا باتجاه التراب مغلقة علينا كل نوافذ السماء ــ ذلك أعادني للأسئلة من جديد.
هل تدرك الشجرة أنهم ركّبوا لها غصناً ليس من ذاتها؟! يأكل مما تأكل وثمره لا يشبه ثمارها؟! وهل يدرك الغصن أنه يقتات على بعض ما تجود به الشجرة؟ألا يشعر بالامتعاض من نظرة الأغصان المتشابهة، والازدراء وهو يلحظ وحدته؟! كان النوم يقترب مني وأنا أبتعد عن سخافتي مما يخطر ببالي، وقلت:أعانقه، لو يقترب.
انتبهت على وخزة في أعلى ظهري، ثم ألم شديد وشيء ما ينتشر في جسدي، بدأت أخلع ملابسي،أحاول أن أعرف ما الذي لسعني. لم أجد شيئاً، بينما ازداد ألمي، وحرارة تدب كل جمرها بجسدي، تعرقت وأردت أن أصرخ، لم أقدر، لم أجد صوتي معي، وكأن الخوف كان يمنعني. دوار متسارع، وكأنني في دولاب هواء بعيد. كانت المشاهد جاذبة رغم الخوف، حاولت أن أصمد هناك لكنني غبت، أو أن الصحو سقط مني.
كنت أقفز من كون إلى آخر، أتمرجح على شجر شاهق تدلى من الأفق، الأفكار تركض برأسي وتتسابق الصور، و..و..! التركيب ـ كنت أسمع من يقول: حمى! بينما آخر يقول: هي لسعة عقرب! وحين تمدد في الدم صار سماً مركباً.حاولت أن أضحك، وكان هناك ما يمنعني. (بلاش المستشفى! )، لنذهب إلى طبيب الحي في داره، شعرت بتركيب يجمع ما بين طبيب الحي والدار، كأنه الدفء والمودة.
دخلت قاعة كبيرة، خطوات وكنت أقف عند حاجز خلفه يجلس رجل طاعن في السن والغموض، طلب هويتي الشخصية، بحثت عنها فلم أجدها،قلت معتذراً: سيدي لقد خرجت مسرعاً ونسيت محفظتي. أشار إليّ بالدخول وهو يهز رأسه.دخلت، وقبل أن أتخطاه أمسك بيدي وسألني:
هل تركيب الكلمات من الحروف عبث بشري، في تغيير الذات؟! حاولت أن أفهم ما قال، وقد التبس عليَّ الأمر: ذات الحروف أم..، ووخزة أقوى تأتي من خلفي،حاولت أن أستدير، فشلت وظهر والدي أمامي يمسح جبيني، فابتسمت، وكنت أريد أن أخبره عما قال ذلك الرجل، لكن والدي وفر انتباهه المنهك من شقاء النهار وتعب الليل للطبيب الذي كان يرمي (بالإبرة ) في سلة المهملات، وهو يقول: قليل من الألم لراحة طويلة، ولا تصدق كل النظريات العلمية، وغيرها، لا ذاكرة مطلقة ولا ذكريات دقيقة تماماً كما يقولون.قال والدي: ولكننا نتذكر ونتألم.ابتسم الطبيب وهو يقول: إذا نظر إنسان إلى مكان جرح قديم تعرض له سيجد ندبة تقول كان هنا جرح، لكنه لن يجد ذات الألم، وتتفاوت الندب. لم أفهم،كنت بعيداً.
ثم حاجز آخر والرجل نفسه، أردت أن أتكلم فقاطعني قائلاً: أليس التركيب كمالاً للوحة؟وانظر هذا الكون والجمال الذي فيه، هل كل الأشياء التي تحب جميلة؟! ولماذا الأشياء العفوية تأتي مرتبة؟ صرخ شاب يقف خلفي يريد المرور، فدب خلاف منحني فرصة هرب،وتجاوزته، ومساحة، ثم سُلّمٌ لا أعرف إلى أين يفضي،صعدته سريعاً حتى كنت على سطح واسع وشاهق، مشيت بحذر إلى طرفه، نظرت إلى الأرض فذهلت، جمال لم يستوعبه بصري، لا يشوبه غير الخوف القابع في قلبي، وقفزت وكأنني أقفز من كون إلى كون، وفي المسافة الـ ما بينهما تذكرت أحياء غير جميلة على الأرض، لم تكن موجودة وأنا على السطح. وعدت أقفز، من كون إلى كون.
كأنني أتمرجح على شجر تدلى من الأفق، وصار بإمكاني أن أقف بالمدى، فوقفت، ثم طرت بسرعة فائقة أشاهد كل شئ يمر من تحتي ومن فوقي، لا شيء غير السماء وصور تأتي فرادى، سريعة، لم أرَ فيها طعم البكاء، وكيف سترتب وتركب فتفور بالمواويل وأمعنت.
كان والدي يحملني مسروراً يدخل البيت ودموع فرح في عينيه. وانقلبت الصورة،أحمل والدي ووجهي تقرصه آلاف من إشارات الاستفهام، وأودعه القبر،وقفت في المدى مرة أخرى وقد أنهكني هذا الترتيب في تركيبه الصعب، وكيف يرتب هذا التركيب. فتحت عينيَّ، لم أرَ، فصحوت!
بعد سنوات كنت أتمرجح على ذلك الغصن، وعادت الصور تتكاثر، والتركيب يكبر، وأسئلة مثل طنين النحل تدوّي برأسي، واعتدت على سماع أصوات تأتي من بعيد، من جهة لا أعرفها : عليك أن تؤمن بالتركيب، ولا تطل بإمعانك، ولا يُجاز لك التأويل المركب، وذاتك التي أسرفت في ترتيبها مركبة، ثم إن حاجتك الآن هي أن تفهم الترتيب، ولو انتبهت لفهمت أكثر. وانقطع الصوت. ناديت بأعلى صوت ( ياااااااااااهيييييييه ). ركضت لا أعرف لأي اتجاه أعطي وجهي. أجزم أن الجنون تمكن مني، أصرخ:أريد أن أفهم، أريد أن أفهم.
على باب المدرسة كنت أسمعه بصوت غير واضح، لكنني رأيت أستاذ الفيزياء في لحظة تأمل، ومباشرة كنت أسأله : إذا كان الترتيب مركباً لمَ عليَّ أن أفهمه أولاً لكي أفهم الترتيب؟ مشط لحيته الكثيفة وهو ينظر إليّ باستغراب، ثم قال: هل سألت هذا السؤال كثيراً؟ ولم ينتظر إجابتي وهو يقول: اذهب إلى أستاذ الكيمياء. استدرت وجنون رأسي يقول: كيف لأستاذ الفيزياء أن يركب لحية طويلة؟وقطع أستاذ الكيمياء شرودي بوجوده أمامي، أو بوجودي أمامه.أستاذ الكيمياء حك شعره مرات وهو يستمع إليّ، ثم رفع يده وتغيرت معالمه، قلت : هي الإجابة.لكنه دفعني وركض باتجاه (الحمّام)، شعرت أنه لم يرتب نومه ليتلاءم مع إفطاره، والآن يعاني من تركيب في أمعائه، مهما كان سريعاً لن يهبط بترتيب. إذن هو مركب غير مرتب؟!!
قرع جرس انتهاء الدوام المدرسي واندفع الطلاب بلا ترتيب، ركب بعض الطلاب سيارات جاءت تأخذهم إلى بيوتهم، بينما أغلبنا كان عليه أن يرتب مسيره بحذر، وانتباه، فخط الشام بعد قليل سيكون مكتظاً بالشاحنات، لم أمشِ طويلاً وأنا أتذكر أنني لم أفهم ما قاله أستاذ اللغة العربية عن الفعل المركب، وكان الطلبة يضحكون بصوت مرتفع، وقد انتبهوا أن الأستاذ يلبس جوارب كل فردة بلون، ربما استعجاله أفقده التركيز ليرى كل الألوان بلون واحد، فقط من خلال مشاهدته، غفلة تأتي بمقياس زمني لا يذكر ولا يحس، لقد ضاع الدرس!! ومر معلم الفيزياء بسيارته، والآذن بجانبه، أظن أن الآذن أغلق باب المدرسة ونسي معلم الكيمياء في الحمّام.
مشيت خطوات، وتسمرت، وعيني تقع على تلفاز في مطعم يجاور المدرسة، سيارات عسكرية وجيوش، جرافات، طائرات، كانت تقتلع الأشجار من جذورها، بساتين وكروم تتحول إلى حطام ، لا تركيب في هذا ولا ترتيب ، وإن رأيت الوحوش ناطقة ، جلست في بقية ظل على رصيف ، أسندت ظهري للحائط ، وغبت ، وحتى اللحظة لم أرجع ولم أصحُ ، ولا أعرف؛ هل ما زلت نائماً أم أنني مت !؟.

السابق
عرفت نفسي ..!
التالي
البهلوان

اترك تعليقاً

*