القصة القصيرة

هذيان من حنين … اه يا علي …

هذا هو اليوم الثالث للعزاء، وكان عليَّ أن آتي وإلا فاتني كل شيء.
خيمة واسعة جداً، ووجوه متعددة. أخذت ركناً بعيداً وهادئاً. فنجان القهوة (السادة) أشعل فيّ عروبتي فأشعلت سيجارتي، درت برأسي أعاين انفعالات الوجوه، كانت كما هي بالأمس، لم تغادر رتابتها، غموضها المكسو بالحزن، أو بفرح يشبه برد كانون.
وكعادتي حاولت أن أعيش دور المتوفَّى الراحل، فأحسست ببرودة إضافية، والشوق مزق ضلوعي، نظرت بوجوه من أحبهم، كانوا يبتسمون، حاولت أن أهتز في ذكرياتهم، لكنها كانت خارج تغطية الرحيل والموت، ربما في حواراتهم ما يشيع الدفء بأجسادهم فيخفت الحنين، وتهرب الذاكرة من برودة التذكر، وصقيع من جليد الرحيل، فعدت إلى شكلي الأول والابتسامة تهبط على وجهي. لم يعد بإمكاني أن أعيش غير دوري وما عاد يروقني التمثيل.
لفت انتباهي دورانه في غيرزاوية، حاول أن يخترق غيرَ تجمع، دار حول نفسه مرات، وظل وحيداً، تعلق بصري به وكأنني أعرفه. أعرف هذه الاستدارة العفوية المغلفة بالتعب والوحدة، وما أن عثرت عيناه على وجودي حتى ابتسم، وابتسمت، أسرع في خطاه وانهال بالقبل ومصافحة مملوءة بالبهجة، كان هو، عليّ، صديقي الذي لم أره منذ سنوات طويلة، كانت الهزائم قد تمكنت من رسم لوحتها على وجهه المنهك بالغربة والسراب، واقتلعت بعض أسنانه الضرورية، وبالأبيض رسمت على شاربيه ورأسه خيوطاً من نور. ولم يعط الفرصة للصمت والشرود. فرصة التنقل على وجهه وسائر جسده. عندما سألته عن أخباره،تكلم بلا فواصل متجاوزاً كل النقاط وحواجز السنين التي فصلتنا، تكلم بنهم عن سفره وغربته وبؤسه، في دول رمالها أشد حرارة من الشمس وأكثر قسوة منها، كنت أشعر بانفعاله، وكلما حاولت تهدئته من خلال عبارات أزرعها في حقول أحاديثه، ازداد في نثر أيامه على سمعي، وبلحظات قليلة أيقظ فيَّ كل دهري وقهري لأزداد صمتاً. ويزداد في لبّي تدفق المرارة إلى القلب المكسور، وحاول الدمع أن يقفز مرات من عينيه لولا أنه كان يربطها بضحكة فقدت جناحيها.

وقفت وأنا أشعر بغثيان يطبق على صدري، ورائحة الوجع تتسلل إليّ من كل اتجاه، ووقف معي، سألنيإن كان بإمكانه أن يمشي معي، لم أستطع إبلاغه أنني احتاج للعودة إلى سكوني ووحدتي. رحبت به وهو يستطرد بحديثه ليكمل ما تبقى من حكايات حروبه في الخارج، وكيف كانت معاركه حين عاد ليرسم وجوده داخل الوطن، أتعبتني رماحه وسيوفه المضمخة بالدم والجراح، وأتعبني كثيراً حديثه، كما أتعبني ما وسم فيه من خوف ووجع هذا الوطن.أوجعني أكثر، كيف يكون الوطن قاسياً على من رسموا أحلامهم في لب ترابه؟ كيف تكون الأم بخيلة وتمنع ثديها عن رضيعها، أي حضن ذلك الذي لا يتسع للشوق والحنين؟!!! ومشينا، وأنا أتلو صبري على روحي، إنه صديقي، جمعتنا المدرسة والحارة، زمناً طويلاً، وهناك ما اجتمعنا عليه هو وأنا للملمة بعض من جروحي الابتدائية. وضعت يدي على كتفه وأنا أقول له أكمل يا علي، أكمل.
السيارة التي وقفت بمحاذاتنا كان يقودها صديق آخر، وقد كان من خلال إشاراته يريدنا أن نركب معه، ربما لينقذنا من برودة الطقس. فتحت باب السيارة وأنا أشير إلى عليّ أن يركب، لكنه امتنع، ظننت أنه يشعر بالخجل لأنه لا يعرف صديقي الآخر، قلت له:إن للبرد طعم السياط وبيتك بعيد من هنا يا صديقي، لكنه ابتسم وهو يقول: سأكمل لك الحكاية، ولن يكون بوسعي فعل ذلك إلا وأنا أمشي، تعودت من خلال المشي أن أنثر الحكايات، وأحرق بعض الطاقة. سأفترض وجودك معي يا صديقي.وقبل أن يستدير قال: هل بإمكانك أن تعطيني رقم هاتفك (الخلوي) قلت له : بالطبع يا صديقي.كتب الرقم وهو يقول لي: آهيا صديقي.ومضى.
ركبت السيارة والصمت يلفني، وحيرة تقضمني، انطلقت السيارة وكأنها ترمي بالسكينة على البرد الراقد فوق الأرصفة والطرقات.وما هي إلا لحظات حتى انتفضت وأنا أقول لصديقي: توقف، توقف، أنزلني هنا، أنزلني هنا. نزلت من السيارة، وصديقي قد غلبه الصمت، والدهشة، وعدت أناإلى الخلف، حاولت، أسرعت بالخطى، بحثت غيرَ مرة، لكن عليّاً كان قد اختفى.تذكرت آخر كلماته: (سأكمل لك الحكاية ولن يكون بوسعي فعل ذلك إلا وأناأمشي)، ومشيت أكمل طريقي إلى البيت،أستمع لبقية الحكاية، وعليّ لا يتوقف عن البوح. وكل مافيّ يقول: آه يا صديقي، آه، يا عليّ.ولم أكن بقوته فتمكن الدمع من عينيّ.

السابق
فراغ
التالي
الفأرة

اترك تعليقاً

*