القصة القصيرة

هذيان من وحي افلام الكرتون … توم وجيري

جاء الليل، وكنت قد انتظرته بفارغ الصبر، حاولت أن أبدو غير منتبه لزوجتي التي تبدي استياء غير مباشر، وأقول في نفسي: (أعانك الله على جنوني ).جلست على بطانية كنت قد جهزتها كعادتي. جلست بمواجهة زاوية في غرفة النوم كنت قد بسطت كامل سيطرتي عليها، أخرجت مغلفاتي الكبيرة والصغيرة وبدأت أفرد ما فيها: أوراق وقصاصات قد تبدو لغيري بلا قيمة، لكنها حياة، بل كل مغلف يحمل حياة، كنت أحتاج ورقة واحدة لا أعرف في أي مغلف ترقد، وهذا سيجبرني على إفراغ كامل المغلف، وأنا أعرف نفسي، ساقرأ كل ورقة وكأنها المرة الأولى وأنا أستعيد ذكرياتها، وماضياً طوته السنين الطويلة دون أن أنتبه ولو لمرة، وكل ما أتقنت فعله أنني كنت أتناقص عمراً وأزداد أوراقاً، انتصف الليل وأنا غارق في بحث لا يقطعه إلا فسحة قليلة بعريشة البيت، فسحة ضرورية كلما صعق ذاكرتي هدير الماضي وكأنه قطار مجنون فُقدت السيطرة عليه،وفسحة كلما شق صدري نبض يأتي كسهام خاطفة ومتلاحقة. في مرات كنت أسمع صوت الفرح في قلبي، هذه مجموعة قصصية بخط اليد (أمين يوسف عودة )، ومجموعة شعرية (نزار عوني اللبدي )، أقلبها وصوت نزار اللبدي يدور في رأسي كالنحل النشيط (ستتذكر هذه الأيام يا محمد وستتذكر هذه الثقة)، أنا لم أنسَ، سنوات (التسعينيات ) لا يمكن لمن عاشها أن ينسى، امتلأتْ حتى الحلق بالأحداث المتناقضة، وبقيت الأجمل.
ابتسمت وأنا أسأل: هل كنتَ أهلاً لهذه الثقة وأنت لا تعثر على ورقة؟! بدأ ذلك يسحبني بعيداً، وببطء، استعدت بعض تركيزي محاولاً العودة. دخلت في صراع لا أحبه، نعاس، لا رغبة للنوم، أريد أن أنتهي مما بدأت به ولا أريد، وكأنني نار في احتراقها، تناثرت مجموعة أوراق أمامي، نظرت إليها باستغراب، كيف تتحرك وحدها، مددت يدي بحذر أريد رفعها ليقفز فأر ركض باتجاهي فقفزت، عاد للخلف سريعاً، ثم لليمين وللشمال، يقفز بين الأوراق يدخل بينها وأنا أتابعه بذهول، كيف ومن أين دخل، كيف تجرأ، هذه كلماتي وأوراقي،هدايا الأصدقاء والذكريات،
وفكرت بانتقام قاس.ومن خلال حركة وأخرى كنت أوجهه إلى أقصى الزاوية، واستدعيت قط البيت المدلل، ناديت عليه فجاء من أقصى العريشة منتبهاً وكأنه يسأل عن الخبر، أحكمت إغلاق الغرفة وأنا أحمد الله على ما يقال عنه الجنون، منذ الطفولة وأنا أهتم بأن يكون لي قطي الخاص، وكلما فقدت قطاً جئت بآخر.
تغيرت معالمه أول دخوله للغرفة، رفع ظهره للأعلى، ومط قوائمه الأربعة وشد شنبه ولمَّ حاجبيه، ولا أعرف كيف شعر بوجود ما يريب وجعله منتبهاً. ومرة واحدة قفز على كومة أوراقي، وخرج حاملاً بين أسنانه الفأر، دار حول نفسه وهو ينظر صوب الباب،. أسرعت، فتحت له الباب وخرج إلى العريشة وأنا أتبعه.الفأر كان مازال على قيد الحياة،إلا أنني كنت ألمح رعباً من ذيله يتدلى!! انبطح القط في منتصف العريشة وتركه، ركض الفأر قليلاً، وبحركة فنية تشبه حركات لاعبي الكاراتيه أو التيكواندو مد القط يده بسرعة خيالية وأوقفه، حمله من يد إلى يد، ثم تركه، لم يتحرك الفأر وهو يشاهد القط يتلوى على بطنه، وكأنه يؤدي رقصة، شعرت أن الفأر لم يعد يدرك الاتجاهات، حاول، لكن يد القط كانت أسرع، ولا أدري لأي سبب كان القط يلوعه أو يداعبه؟!! جلست أتابع هذه المشاهد، وأنا أشعر بمتعة، أتذكر أن الفأر تُجرى عليه أهم التجارب العلمية، لو يدرك القط ذلك ويقوم الآن بإجراء تجربة نفسية وسلوكية على فأر يريد الموت ولا يناله، ضحكت ضحكة عالية، هدأت بسرعة وأنا أنظر إلى حجمه الصغير وكيف أنه يشبهنا في بعض تكوينه الجسدي، لا يألفنا هذا ولا نألفه رغم التشابه. والقط، القط أكبر حجماً؟! الطفولة لم تكن بعيدة بعد جولة الورق والذكريات، وحضرت مسرعة ومندفعة تقول للفأر: هيا جيري، انهض وتذكر شجاعتك، وجرأتك وذكاءك،ألا تذكر توم وجيري؟ لماذا لا تضرب القط بالمكواة فيتغير شكل وجهه، أو تضعه في الثلاجة فيتحول إلى قالب ثلجي وبضربة واحدة يتكسر ويتناثر، لماذا لا تحول شاربه إلى وتر موسيقي،وألف ُلو تفعل. هذا ما نعرفه،أنك خارق الذكاء ولم تهزم في مواجهة، (التلفاز) والسينما تؤكدان ذلك، وأكثر قناعاتنا منذ الطفولة تتشكل بطريقة منسقة ومتوالية، وقصص كثيرة وحكايات، لكن ما أراه أمامي الآن قصة أخرى.
توقفت عن أسئلتي والقط يحمل بأسنانه جسد الفأر المتعب المنهك إلى زاوية في حديقة البيت، ما بين زيتونة ودالية، سمعت طقطقة عظام. وكأن القط أراد أن يأكله بعيداً عن رؤيتي . أتعبني الصوت، في حديقتي، وولادة الموت! وبعد إطراق وتفكير، حملت عصا ونزلت درجات العريشة وأنا أفكر أن أضرب القط دفاعاً عن رقة الفأر، صوت بداخلي، كان يدفعني، وعاطفة عتيقة تشدني، الفأر صغير الحجم ولا طاقة له بقطي وعنفه، ووقفت في منتصف الطريق أحاول أن أجد توازناً ما بين ذاكرتي وطفولتي وبين ما رأيته بأم عيني. وقلت:إن الفأر هو الذي تسلل إلى أوراقي دون إذن مني. بينما القط صديقي، ومنذ شهور وهو يصد الأذى عني. وهذه معركة لا يعنيني أطرافها ولا تعيد لي ما فقدت من ورقي. فالورقة لا بد في بطن الفأر، والفأر ربما صار في بطن القط. والقط الآن يرتع في حديقتي وعنايتي، وقد قتل منذ أيام أفعى حاولت أن تتمدد في غرفتي، لاعبها وتلاعب بها، قبل أن يقطعها ويأكلها. شعرت بالحزن وهو يجزّئها، لكنني كنت أريد موتها وأسعدني موتها.
الآن هو خارج الشاشة وطفولتي، وذكرياتي، إنه في عريشتي وحديقة توطّئ السرور لمنزلي. والفأر، الفأر سيّء، تراجعت إلى الخلف وتركت القط لطقوسه. وما أن أدرت ظهري حتى سمعت صوتاً لكلب غريب الشكل،كان النباح يحاول أن يقتحم سور المنزل. وضعت عصاي على درج العريشة. تأملته كان يشبه ذلك الكلب القابع في ذكرياتي، مربوطاً بسلسة يحاول باستمرار أن يغفو لولا إزعاج يصدره القط وهو يلاحق الفأر. ولم أشاهده يحاول دفع البلاء عن القط، (وأدهشني أن أحتاج أوراقي القديمة وتضيع في يوم يخرج به الفأر والقط والكلب من ذكرياتي ) إلى واقعي!! يقولون الكلب وفي، ربما لكنه لم يكن عادلاً وهو يستعمل حجمه وقوته للظلم والبطش، حملت حجارة تعددت أشكالها وبدأت برماية الكلب. ازداد نباحاً وإصراراً، وهو يمعن بالقط. ناديت، جاء بعض أهلي وبعض جيراني. ومعا ًرحنا نرشقه بالحجارة ونباحه يرتفع. بدأ أهل الحي بالتوافد، كلما ارتفع الصوت وحدث ضجيج جاء آخرون، حتى رأيت كل الحي يرمونه بالحجارة وهو يخفض رأسه تارة، ويحاول أن يقفز إلى حديقتي تارة أخرى، وأنا أرجو أن يكون القط قد أنهى وجبته، والفأر استقر في أمعائه، وأن يكون ميتا الآن.لكن القط كان بطيئاً، ويريد انتصاراً بمتعة.أربكني يحفر في الأرض. قلت : سينزل حياً، وسيمكر بالجميع. فعدت أحمل العصا، ملأت جيوبي جيداً بالحجارة، واستعنت بسكين المطبخ أيضاً. وقفت بانتباه وأنا أجزم أن الفأر سيخرج من تلك الزاوية، ما بين الزيتونة والدالية. أقف منتبهاً ومن حولي أهل الحي، كل الحي للمرة الأولى في حياتي.
في الصباح كان مختار حينا ومخاتير أحياء أخرى يتناظرون، ويتحاورون على مسمع الجميع
عن صحة رواية ضياع الأوراق. بعضهم قال: منذ مئات السنين استبدل الرجل صاعاً من تمر بها. بينما قال آخر:صاع من حنطه. اختلفوا، ثم شتموا، ثم تشابكوا، ثم عادوا للحوار وأنوفهم متورمة ومتضخمة، ضحكت وأنا أسمع المذيع في نشرة الأخبار يقول:إن الصورة غير واضحة، ولم نعرف أن الخلاف كان بسبب ضياع الأوراق لأن الرجل استبدل بها صاعاً فقط،أم على ما كان في الصاع؟! كنت أسمع أيها الأغبياء، وأعرف أن الأوراق في مغلف ما، في زاوية الغرفة ولن تضيع، والفأر يأتي من زاوية الحديقة، تقدم مني وقال:أعطني مفتاح الغرفة، ضحكت، وقهقهت، وأحسست بيد بشرية تمتد، فزعت، كانت يد طفلي الصغير، يسحب (الريموت ) من يدي، وقد قاد ثورة في البيت. نظرت إليه، فقال : لقد حان موعد عرض توم وجيري.

السابق
ناكر
التالي
قصة لا تصلح للقراءة ..

اترك تعليقاً

*