القصة القصيرة

هذيان من وحي موت….

الرقم الذي ظهر أمامي لم يكن معروفاً لديّ، وإن كانت عادتي أنني أنسى بطبيعتي تخزين الأرقام، ترددت قليلاً ثم أجبت. كان الصوت بعيداً، يأتي من حنجرة مخنوقة، ورائحة الدمع تفوح من الكلمات التي جاءت غير واضحة.
أغلق الخط، انتهت المكالمة سريعاً، ولم يعلق برأسي غير أن صديقاً افتقده منذ فترة يريدني أن أذهب إليه، فهو في السجن، ومرت ليلتي كئيبة، كيف يكون صديقي خلف القضبان وأنا أنعم بالتمدد على سريري.
في صباح اليوم التالي استقليت سيارة وتوجهت إلى السجن الذي حدده صديقي.ما كان يفصلنا هو لوح زجاجي وهاتف أمامي وهاتف أمامه، رفعت سماعة الهاتف، وما أن قلت له: كيف أنت؟ حتى انهار بالبكاء والبوح بكلمات لم أفهمها بسبب حشرجة في جوفه وتشويش يأتي بسبب رداءة الهاتف الموضوع، كان بإمكاني أن أسمع كلمات تأتي من غيره وبكاءً يأتي من بعيد، ورغم كل هذا حاولت أن أبدو متفهماً لكل ما يقول.
تركت له بعض الدنانير بعد أن ودعته وأنا أعده بأن أوكل له محامي دفاع يخرجه من ورطته سريعاً، وتذكرت أنه طلب مني أن أذهب إلى غرفته، وكان مفتاح الغرفة في أمانات السجن، لذلك كان علي أن أقوم بتقديم طلب إلى مدير السجن من أجل الحصول على المفتاح، كنت أظنه أمراً سهلاً، ولكن لو كنت أردت طلباً بإخلاء سبيله لكان الأمر أسهل.
في اليوم التالي كنت أصعد السلم الطويل وأنا ألهث، وأمنّي نفسي أن تنتهي هذه الرحلة الطويلة، وأخيراً وجدت نفسي أمام غرفة على سطح مبنى يغازل الغيم، فتحت الغرفة وبدأت بعمل ما طلبه مني، شعرت بألم شديد؛ كيف لرجل بهذا العمر أن يكون وحده في غرفة وحيدة؟! فراش رقيق، ووسائد تشتكي الحنين، أغطية بلا غطاء، وكتب مبعثرة، ورائحة الذكريات تثير حساسية من لم يعرف الحس من قبل. كنت أسأل نفسي: هل قال لي شيئاً لا أتذكره، درت في الغرفة غيرَ مرة، لم أعثر على ما يذكرني بشيء آخر.قررت الرحيل وأنا أشعر بحزن شديد، ورغبة بالقفز من المبنى بسبب القهر وتجنباً لنزول الدرج، (أن تنزل ذلك الدرج أشد ألماً وأكثر تعباً من الصعود)، ومع ذلك اضطرني الحال لنزول الدرج،وصلت الشارع وأنا أشتهي لو أني أغفو لألف عام، أو أكون قطرات في رحلة تركب ظهر الغمام، علني أسقط في أرض بعيدة، أتودد إلى تراب جديد، ويحلو المقام، لكنها أحلام، وكذلك ستموت أحلاماً.
تناقشت بالسعر مع غير محام، اختلفنا، واتفقنا، ثم لم نتفق، أكثر ما أثار دهشتي أن لكل محام سعره الخاص، مع محاولة بعضهم إقناعي بأن سبب الاختلاف عائد إلى الجودة في العمل!! فرق شاسع في الأسعار، ذكرني بكشفية(طبيب البلدة كلها) الدكتور دامر، غفر الله تعالى له ورحمه، وكشفية الأخصائي الذي كان يخلق للمريض مرضاً جديداً بسبب ارتفاع كشفيته، يا الله عفوك، هل أنا بين الحسبة المركزية وأحد( مولات) عمان الأنيقة؟! انتهى الأمر بأن وجدت من يعمل من أجل سد حوائجه في الدنيا ورضاء الله تعالى. كم كان الأمر مختلفاً، ليس بالسعر فحسب، إنما في الأخلاق والوفاء والإحساس مما تعاني، والجودة أيضا!!
الرقم نفسه نزل على شاشة هاتفي، وتذكرت أنني نسيت تخزينه، تماماً كما يحصل معي كل مرة، كانت الكلمات سريعة متقطعة، مثل ذاكرة هرمة لا تنقل المشاهد كاملة، وتتداخل ببعضها، لكنني لمحت من بين الكلمات ما يشبه صوت التغريد:هل أطعمت العصافير؟ هل أطعمت العصافير؟ أغلق الخط وانتهت المكالمة وما زال الصوت يأتي كومض وجع الضرس، هل أطعمت العصافير؟ وكأنها: هل أطلقت العصافير، أطعمت أم أطلقت؟! قمت مفزوعاً من فراشي، وأنهيت على درج البيت لباسي، والهاتف على أذني أقول لمن تعودت أن أطلبه في كل أمر حرج: الآن، عليك أن تحضر الآن! وما هي إلا دقائق قليلة حتى كان السائق يقف بسيارته أمام البيت وهو يقول: (خير إن شاء الله ). قلت له: انطلق إلى ذلك المبنى اللعين، وحاول أن تسرع!
صعدت الدرج المتكئ على بعضه بعضاً بسرعة الخيال،كدت أن أسقط غيرَ مرة، ألهث، وأتابع، وصلت فتحت الغرفة لم يكن بها أي كائن حي سوى بعض الصراصير المتكرشة والناموس المنتفخ، وذباب يشعر بالغثيان، خرجت من الغرفة درت حولها ومن الجهة الشرقية، وجدت سبعة أقفاص وضعت فوق بعضها بعضاً، كلها فارغة إلا واحداً في الوسط، اقتربت أكثر، فإذا بعصفور وحيد ينام على ظهره فاتحاً جناحيه وكأنه يريد أن يطير، لم يكن في علبة الماء ماء، وعلبة غذائه فارغة إلا من بعض القشور، مددت يدي صرخت بوجهه: أفق أيها الصغير، لا تمت أيها العصفور.لكنه لم يكن يسمعني وقد تيبس جسمه الطري، صرخت بأعلى صوتي، وبكيت وكأنني لم أبكِ من قبل، لماذا لم يأتِ الصوت واضحاً منذ المرة الأولى؟لماذا لا تنتبه الذاكرة؟ولماذا تترك العصافير بالأقفاص وحيدة؟ ثم بكيت للمرة الأخيرة وأنا أمعن بلون العصفور الذي تلون بكل لون من الذاكرة الأولى. وركضت مسرعاً، وقفزت من فوق المبنى!!!.

السابق
ثلاثية متواليةٌ
التالي
سجل

اترك تعليقاً

*