القصة القصيرة

هذيان من وراء القضبان

وكأن لكل منهم تخصصه، هذا يسألني، بينما آخر يضربني، وثلاثة يفتشون ملابسي الداخلية والخارجية.الكل كان غاضباً، “لم لا تجيب على سؤالي؟” قال أحدهم، قلت: لأن زميلك أراد سروالي، لقد طلبوا مني أن أنزع كل شئ كما ترى. قال: انزعه وأنت تنتزع من فمك الإجابة،قلت: كيف يا سيدي؟ وهناك من يضربني إذا تجاوزت الصمت؟
وماذا في ذلك؟! تكلم وأنت صامت، واصمت إذا تكلمت، (دبّر حالك ) أفهمت؟! قلت له: لا، لم أفهم، كيف أتكلم وأنا صامت؟! وكيف أصمت وأنا عارٍ وقد تشتتت ملابسي؟! وما أن أنهيت حتى انهالوا عليّ ضرباً بالعصي والسياط والأقدام والأكف، شعرت أنني أتعذب في جهنم، وقد تكون جهنم أرحم من مجموعة لم تعرف لماذا أناهنا! لم أبكِ ولم أستجدِ، كنت كلما سنحت لي فرصة بصقت في وجوههم، وأنا أقول بنفسي: ستنامون الليلة بلا متعة،تسألني لماذا أناهنا؟! ولما يئسوا، أخذوا مني كل شيء، وجاء من يسوقني من الباب الخارجي إلى الباب الداخلي، وبرفقته دخلت، نادى شاباً وقال له: خذه وحدد له المكان. مشيت مع الشاب فقال لي: ما هي قضيتك؟ وقد لاحظت أن الكلمات تخرج من طرف فمه وعين مفتوحة والأخرى مغلقة. فقلت له: لا أعلم، ضحك وهو يشير إلى الثكنة، ولما دخلت قال: هذا سريرك، غادر المكان وهو يقول: الساعة الرابعة طابور؛ ابقَ قريباً. خرجتُ أبحث عن دكان، أو أي مكان لأشتري علبة سجائر، فقد أخذوا مني كل شئ، وحين سألت بدأ الكل يضحك ويقهقه وأنا لا أعرف السبب، تركتهم ومضيت، فإذا برجل بدا في الأربعين من عمره ينادي علي، توقفت، ولما وصلني مد إلى بثلاث سجائر وهو يقول: إياك أن تعطي منها لأحد، السجائر تباع هنا بالأسبوع مرة واحدة، ومهما كنت تملك من نقود لن تقدر على شراء كل حاجاتك، ولكن هناك غير طريقة، وعلى فكرة ما هي قضيتك؟! قلت له صدقني لا أعرف، ابتسم وهو يقول لكل منا قضية وخصوصية، كذلك إذا احتجت لأي شيء فلا تتردد بسؤالي، ومضى، والذي أحزنني أنه ليس في ثكنتي، كان عليّ أن أعرف كيف تكون وجبات الطعام ومتى، ومن هي مجموعتي وكيف أتدبر كل أموري.مضى النهار الأول ثقيلاً، وجاء موعد طابور التفقد، “من يسمع اسمه عليه أن يقول نعم ثم يدخل ثكنته”، دخلت إلى ثكنتي، جلست على سريري وأنا أحاول أن أخفي ألمي وحزني وجوعي، قلت بنفسي: لو كان معي سيجارة.كانت العيون كلها تراقب سكوني، لا أحب الشفقة ولا أحب أن أكون فريسة، وبصعوبة غفوت، مع مرور الأيام والأسابيع كان يشار إليّ بالبنان، وأكثر ما كان يميزني اعتنائي بكل وافد جديد وكل حسب قضيته، وكانت علاقتي بالسيد محمود؛ ذلك الذي تجاوز الأربعين ويكاد أن يتمم الخمسين قد تطورت، (وسجائره الثلاثة لا زالت تشتعل برأسي)، إلى حد كان كل واحد قد باح للآخر بكل همومه وسبب وجوده في السجن، هكذا حاول كل منا أن يفهم، رغم قناعتنا أننا لم نقدر على البوح بكل شيء. علمني كيف أصنع السبحات الخرزية والأساور. وقال لي ذات يوم إنه قضى (16) عاماً في سجن بالخليج العربي، وها هو اليوم يتمم السنة (8) في هذا السجن، فقلت له: وماذا فعلت لتبقى كل هذه المدة؟! ضحك وهو يقول: لا أعرف، ولكن المهم أن موعد خروجي من السجن قد اقترب، وسوف أترك كل ما أملكه هنا لك. أطرقت وأنا أقول عن نفسي: أربعة أشهر وأكمل السنة، وألحق بك يا محمود، قال: نعم، ولكن الأشهر الأربعة ستمضي سريعاً ولن تشعر بها كيف مضت، فقلت: بل هي أطول من سابقتها؛ إذ سأعيشها من دون وجودك، دمعت عيناه وهو يقول (24) عاماً قضيتها من دون أمي، وأمي قضتها من دوني، كنت في أول عمري عندما سجنت ولم أفعل شيئا، صدقني، وما نسب إليّ لا أعرفه، ألم أقل لك؟!”ماذا يا صديقي؟”، أمي ستكون أول الحاضرين في استقبالي عند خروجي.
ورغم ضخامة جثته أحسسته طفلاً وديعاً، في الليل وبعد أن أخذنا إذناً من إدارة السجن تجمعنا لنقيم حفلاً بمناسبة انتهاء مدة محمود وخروجه في الصباح؛ فملأنا الثكنة بالغناء والدخان والضحك، ونمنا جميعا يدثرنا حلم محمود.
في الصباح كانت هناك حركة غريبة ومريبة، كان أحدهم يصرخ ويبكي، كنت أحاول أن أوقظه فلم يرد، هل كان ينتظر مرور أربعة وعشرين عاماً تنتهي في السجن كي يموت؟ لم أصدق ما أسمع وذهبت إلى البوابة الداخلية، وقلت للشرطي: محمود؛ يجب أن أرى محمود، قال لقد جاء أهله وأخذوه، قلت له: إلى أين؟ قال:إلى، وإلى أين يؤخذ الأموات؟! وقعت على ركبتيّ أجهش بالبكاء وأنا أصرخ بأعلى صوتي: محمووووووووووووود، حتى تجمع الكل من حولي، وأنا لا أرى أحداً إلا صديقي محمود بحجم السماء، والأرض تنسحب من تحتي.
في اليوم الثاني، صحوت فإذا بأنثى تحوم من حولي تلبس الأبيض ووجهها كالقمر، قلت: هي الجنة!! أنت يا ملاك، عادت وهي تبتسم وقالت: نعم!قلت لها: أين محمود؟ فضحكت وقالت: محمود؟! من هو محمود ؟! قلت لها: الذي جاء معي إلى هنا.
قالت: لم يأت معك أحد، وعليك أن تستريح. ومضت، حاولت أن أفعل أي شيء ووقفت، وإذا برجل من إدارة السجن يدخل للاطمئنان عليّ، وقال: كيف أنت اليوم يا ولدي؟! قلت: بخير لكنهم يقولون إن محمود غير موجود، قال: ولكن محمود مات، قلت: إذن أين أنا؟ قال: أنت في المستشفى.حاولت أن أبكي فلم أستطع، فقال لي: ما الذي يجعلك تنزعج وأنت لم تعرفه إلا من أشهر، وهذا ما قدره الله له؟! قلت له: وكيف هو حال أمه وهي تنتظره على بوابة السجن؟! قال:اطمئن، هي لم تعرف بموت محمود، قلت له: وكيف ذلك؟! قال: لأنها سبقته بالموت، حاولوا أن يوقظوها من نومها لكي تجهز نفسها لاستقباله لكنها كانت قد فارقت الحياة، لقد دُفِنا بجوار بعضهما بعضاً بوقت واحد!!! نظر إليّ الرجل وأنا أنظر إليه، وضحكت ضحكة مدوية أجبرتْ كل من سمعها على المجيء، حاولت أن أتوقف عن الضحك فلم أقدر، وتجمع الكل من حولي وأنا أقفز على السرير لا أدرك ولا أميز، أأضحك أنا أم أبكي؟! أأشعر بالفرح فأغني!! أم أنني حزين فأنوح!! لا أعرف وصف ذلك الصوت الخارج مني حتى شعرت بوخزة، تألمت قليلاً، وانتبهت.
لم يبقَ إلا القليل، الأرض تدنو مني، عثرت على ذلك الزر اللعين أخيراً، وانفتحت مظلتي، وبتمايلي الهادئ كنت أشاهد كل الأرض، وحدقت في السجن من الأعلى ومحمود واقف على بابه في أول يوم له، لم يدخله بعد، وقبل أن يخطو خطوته الأولى محوته وأغلقت باب السجن، ثم عدت أرسمه في حديقة بيته وهو يجلس بجوار أمه وإخوته، ناديته فلم يسمعني، وأظنه كان يقول لأمه وهو يميل برأسه إلى أذنها: ما أبشعها من رحلة يا أمي!!!.

السابق
ثلاثية متداخلة
التالي
رحلة

اترك تعليقاً

*