القصة القصيرة

هذيان وادي عبقر

سحابة ضخمة ، تشع بعيون مسخ كثيرة ، تحدق في الارض خجلى ، تتلاعب بكتل من نور و نار ،تتقاذف كويرات برد في حجم بيضة دجاجة ٠٠ تدحوها و تقذفها ٠٠تدحوها وتقذفها ٠٠تفرغ السماء الكئيبة حمولتها : لآليء براقة زجاجية ، شفافة ،مختلفة الأحجام ٠٠ تحدث كركرة مخيفة فوق قصدير سطح البيت ٠٠ قطرات المطر ، تتسرب عبر الشقوق غزيرة ، تبلل وجهك ، تمسحها ، وتعترض طريقها بطست نحاسي قديم :
إيقاع رتيب :وحشة المكان ، وحشة الروح و الجسد ، تقبض قبضتيك خلفك ، تستلقي على قفاك ، تسمر عينيك في سقف غرفتك ، تعد منه المسام وجروح الزمن ، تختلس نظرات سريعة من ضوء مصباح ، مربوط على مسمار فولادي مغروز في دعامة متهالكة !
نوره يغتال الحشرات غدرا ،بتوجس تصيخ السمع : مردة النور والنار تفتت لحمة تلك الغيمة ، تصدر أصواتا مرعبة ، تسد أدنيك :
من عمق تاريخ ترسبات التاريخ يأتيك صوت فيه رطوبة من الماضي :
-فك عقالك سيدي ٠٠كر فأنت حر ٠٠ فأنت العبسي المقهور بين أهله وذويه ، أنت طينة راقية هشة ، أنت جنون الجنون ٠٠ مفطور على القريض المخبول المهبول ٠٠ جن مع المجانين ٠٠سرح قوافيك عاشرها بمعروف ٠٠فأنت الشعر ٠٠ أنت ٠٠الشاعر ٠٠فأنت الحلم!
بين راحتيك تضغط على فوذيك ٠٠ تتأفف ٠٠ من عمق حلم يقظتك يأتيك صوت مربع ٠٠ مموسق مصقول الحواشي ، فيه عتب وعتاب :
-أخرج من مدينتي ٠٠ أنت كائن مقدس ٠٠ ذو جناحين ٠٠وجودك : جنونك ٠٠هبلك ٠٠ خبلك ، فقدان صوابك !
أخرج من مدينتي فأنت مفسد معان ٠٠ مشوش على عقول الناس : وعيك لا وعيك ٠٠ شعورك أبد الدهر لاشعورك ٠٠حالم يقظان ٠٠ نائم سكران ٠٠ حاضر غائب ٠٠مدينتي لا حالم ولا مجنون فيها ٠٠ فيها عاقلون !
تغفو ٠٠ينام وعيك ، تتعطل فيك الوصاية ٠٠ تلملم شظايا حلمك المترهل ٠٠ تجمع رموزك / رزمك المبعترة ٠٠تتجلى حروفك باهتة صدئة، تعيد لها ذاكرتك ريقها و بريقها ٠٠تحيى من جديد !
تتعرق ٠٠ تتصببه غزيرا ٠٠ ترتعد ٠٠ترتجف ٠٠ترتعش ٠٠تبدو عليك علامات الخبل ٠٠ فما أنت إلا ساحر مجنون :
تعلن اعتلاء قمة شين شماء ، وعين إعلاء فرويدبة عالية ،وتركب راء الشعر مرققة / مفخمة ٠٠ تترفع عن الصغائر ٠٠ تسبح نفسك :
في لذة شرب خمرة بلا خمر ٠٠ طرب رعشة حب بلا محبوب ٠٠ غضب استمناء ذاكرة مسلوبة الإرادة ٠٠ طقوسك حلاجية /رابعية فضحك وفضح أمرك أرطأة بن سهية :
اتحاد٠٠حلول٠٠تقشف٠٠ شطحات في فسحة فراغ فراغ الروح !
نور شارد تائه يلمع ويخبو في غمرة وحدة الوجود و عفة الوجدان ، يقتلعك من واقع واقعك :
تراه متخنا بالجراح ٠٠آسنا ٠٠ماؤه عكر ٠٠ لا يستحق دمعة يتيم ٠٠لا أنة ضرير٠٠ لا تأوه مكلوم ٠٠لا زفرة ثكلى !
حكمة الحكماء سراجك في عتمة البصر والبصيرة :
لما رأيت الجهل في الناس فاشيا ****** تجاهلت حتى قيل إني جاهل !
عينا عشتار سهام في قلبك ،في ألم شاعر سومر في سفر أيوب :
عيناك غابتا نحيل ساعة السحر !
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر !
شعلتك تلهب رأس عصاك : مدهونة بدم القلب والروح ٠٠شعلتك نار كهف مظلم أناره بروميثيوس فنشر المعرفة و إشعاع الإبداع :
تتمرد ٠٠تعلن العصيان :
-تمقت الطاغية زايوس !
-تتلو قصيد هوميروس!
رويك سين مهموس!
سين ملموس ، محسوس !
صنت نفسي عمايدنس نفسي ***** وترفعت عن جدا كل جبس
تهمس قوافيك : شطحة صوفية ٠٠ جذبة مجذوب ٠٠ وتغيب في لا وعي التاريخ ،تبحث في سراديب أرشيفات الوجود عن سر أسراره !
تجذبك ربة الشعر٠٠تشعر بأناملها ناعمة نعومة الموت ٠٠تحس بأنفاسها حفيف قواف سينية هامسة تربت خفيفة على رؤوس أشجار الدفلى تحرس وادي عبقر ٠٠ تدغدغ سويقات سيقان سمار ، تتخلله خمائل قرمزية ٠٠في موكب من العرائس تشق صفحة مائه ٠٠ثم تستوي ٠٠تنعكس عليها هالة القمر :
يأتيك موكب العرائس يتقدمه شيطان الشعر ٠٠يرفل في دمقس اللغة ٠٠ و خشخشة حروف قصيد مخبول ٠٠ يزفك إلى ربة الشعر على انغام إيقاع الخليل ، تمارس عليك القصيدة الغواية ٠٠تتبع الغاوين ٠٠و تهيم مع الهائمين ، من اليوم لك شيطانك ! لك ربتك ، ربة شعرك !
تمتطي صهوة حصان مجنح أسطوري ، قديم قيل إنه:
-حصان جموح مجنح لا يمتطي صهوته إلا مجنون ،إنه البجاسوس !
تردف عروسك ٠٠يحتويك الخيال٠٠تمارس إعلاءك الفرويدي ٠٠ تهرب من الناس جميعا ، تهمس عروسك في أذنيك قوافي السين الهامسة :
وَكَأَنَّ اللِقاءَ أَوَّلَ مِن أَمـ ****** ـسٍ وَوَشكَ الفِراقِ أَوَّل أمس
تسكنك القصيدة ٠٠ و تسكن القصيدة ٠٠ تحل فيك وتحل فيها و تحمل قيتارة الخليل وتعزف أنشودتك الحزينة ٠٠تبكي ليلك ٠٠ تشكوه طويلا :
وليل كموج البحر أرخى سدوله *** *** علي بانواع الهموم ليبتليني !
تصرخ فيه بملء الروح والجسد :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي****** بصبح وما الإصباح منك بأمثل !
و تصرخ فيك عروسك :
– حلق بعيدا ٠٠بعيدا ٠٠بعيدا :
عالمك فراغ الفراغ !
عالمك خواء الخواء !
ارقص رقصة الريح فوق صفحة الماء!
اعزف أنشودة عشقك الصوفي في الهواء !
امتط صهوة الضباب ٠٠ عانق السراب !
تضغط فوذيك تحبس أنفاسك ترتشف من ذاكرتك رحيقها :
-وماذا بعد يا عروسي ؟
-مصيرك :
صراع ٠٠خلق ٠٠إبداع !
أنت ذات مجنونة الجنون !
لغتك بكماء عجماء ،صماء !
لا ملك غيرك في ملكوت السماء !
لا نسر غيرك فوق القمة الشماء !
لكن رأسك مباح لحد نصل السيف والمقصلة !
وجسدك مباح فيه الحرق وكذلك السحل :
شيمك شين شعر مشلولة !
عيبك عين شعر معتوهة !
روحك راء رعد يقعقع في قلب الجبان و الرعديد !
راء شعرك لمعان برق أ زرق في نفس العنيد !
وريق ضمآن و بريق باهت في عالم الحمق والحمقى !
أنت فيهم دمك مهدور!
فأنت أحمق مغرور !
قطرات المطر المتسرب من الشقوق ٠٠ تتكاثر ٠٠تتحول سيلا :
في غرفتك يبحث عن منفد للخلاص ،يجرفك و المتاع !
تستفيق من شطحاتك تهرب منك عروسك و الابداع !
ربة الشعر كذبة !
وادي عبقر كذبة !
هذا افتراء وكذب أرطأة بن سهية !
جرفك الوادي اللعين وضاع منك المتاع !
على رأسك تكسرت قيثارة الخليل و انهد الإبداع !
و بين مد وجزر بحوره ضعت ومنك ضاع الإيقاع !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
بيانُُ في هذيانِِ
التالي
بين وجهين

اترك تعليقاً

*