القصة القصيرة جدا

هروب

الذي أتحدث عنه الآن تعرفونه بالتأكيد، إنه أنا بهيكلي العظمي أمامكم؛ أما لماذا أتحدث عني بصيغة الغائب فهذا لأنني فعلا غير موجود، مهمش، لا رأي لي، لا جدران تأويني، لا وطن أنتمي إليه، لا هوية ولا حتى ذاكرة. لست سوى اسما يتداولونه كما لو أنه سلعة للبيع أو منتهية الصلاحية ويجب إتلافها. كل واحد منكم نسخة طبق الأصل عني؛ فلماذا لا تصدقونني؟ لست كاذبا، سألت عن كل منكم، وجاءتني المعلومات صحيحة مئة بالمئة؛ فلا تظهروا خوفكم أمامي وتتستروا خلفه.
أنتم وأنا هياكل مفرغة من محتوياتها، تمشي على غير هدى. آه!! تذكرت الآن عندما شاهدت فيلم زوربا مع صديقي سامر كيف اقتحمنا الشاشة الكبيرة لنرقص معه تلك الرقصة التي ألهبت حواسنا، وأيضا في فيلم “عمر الشريف” الدكتور زيفاكو كان هجومنا على الشاشة مخططا له مسبقا لنفوز بتلك الحسناء ذات الشعر البلاتيني. أصدقوني القول بربكم ألم تقتحموها أنتم أيضا؟ نعم وألف نعم فقد رأيتكم هناك عندما قمت بعملية الاقتحام تلك، والتي جعلتني مشهورا يتهافت علي المصورون والمخرجون، محطات عالمية خصصت برنامجا يوميا للحديث عني، لم أكن أنانيا أخبرتهم أنكم شركائي وأننا جميعا كنا مع زوربا نرقص ونتلصص على عشيقة زيفاكو الشقراء. ما زلت مقيما معكم في تلك الشاشة الساحرة وما زال الحديث عنا مستمرا مع أننا غير مرئيين فقد انطفأت الأضواء في صالة السينما تلك وأغلقت بالشمع الأحمر إلى أجل غير مسمى.

السابق
إرهابــي
التالي
أخلاق سائق

اترك تعليقاً

*