القصة القصيرة جدا

هلوسات مريبة

الستائر الأرجوانية التي تمتد من سقف الغرفة إلى الأرض، لم تحقق لي ما أردته من تركها مسدلة ليل نهار؛ فعزلتي عن العالم الخارجي الواهية وسط كل هذا الأرجوان، كانت فخا أوقعت نفسي فيه ظنا مني أن ليالي ستكون وردية حمراء. لم أعد أسمع سوى تنهدات الجدران المسكونة بصور رحل أصحابها عن الحياة؛ فلم يبق منها سوى شرائط سوداء تحل عقدتها تأوهات لم أعرف مصدرها، أهي الحقيقة وأنا الوهم؟ اختلطت الأشياء ببعضها، ولم أعد أعرف فيما إذا كنت أنتمي إلى إحدى تلك الصور، أم أنني ذلك الغارق في لياليه الحمراء؟
هذه الليلة كانت سوداء بكل المقاييس رغم القاني الذي يرشح من الجدران كشلالات تل شهاب، غرقت فيه حتى آخر فقرة في رقبتي، لم يبق سوى رأسي المثقل بالذكريات خارجه. بدأت اللزوجة المنتشرة على كل بقعة من جسدي تعمل بمهارة في محاولة منها لسحبي إلى الأسفل، وأنا أجهد للتملص من هذا الشرك الذي باغتني هذه الليلة. وسط هذا القاني اللزج الذي يخترق مساماتي بت عاجزا تماما، لهاثي المتسارع وحده، يشير إلى أنني ما زلت حيا. إني “أغرق، إني أغرق”، نزار قباني الرائع رافقني في وحدتي، لا أدري أهو اقتبس غرقي في قصيدته؟ أم أنا اقتبست قصيدته في غرقي. أغيثيني يا قارئة الفنجان بنبوءة تنتزعني مما أنا فيه دفعة واحدة وليس على مراحل؛ فأنا أمقت الحلول الجزئية بكافة طروحاتها. بحيرة البجع خالية الآن إلا مني. هل تسمعون السيمفونية الشهيرة؟ أنا أسمعها بشكل متقطع؛ فهناك من سرق منها مفتاح الصول، والعازفون حائرون يغضون الطرف عن مقاطع كثيرة لتصل إلي نشازا بنشاز. سأبحث عنه في هذه اللجة العميقة؛ فربما سقط هنا سهوا، أثناء عملية السطو الغريبة تلك. ارتطمت يدي بشيء ظننته هو، تمعنت فيه جيدا، لم يكن مفتاح الصول بل كان مفتاح الوطن، ضممته إلى صدري بما تبقى لي من قوة، وغصت إلى الأعماق متلمسا طريقي إليه لألتحق بأقراني.

السابق
اندلاق الكروش
التالي
الربيع الغائم

اترك تعليقاً

*