القصة القصيرة

هلوسة قلم

كان بياضها الناصع لا يقاوم، كانت أشبه ما تكون بالتوت الأبيض قبل أن تحوّله الأسطورة إلى توت أحمر، أغرتني  بالارتماء في حضنها،  أنزلتني  من شاشتي الزرقاء إلى انبساطها، فرحت أحقق لها أمنية دفينة في ثناياها لمعانقة حبيبها القلم، راح حبره يتدفق و ينساب بين ثناياها متعثرا لحظة بفكرة ضاعت منّي ،ساخرا من جملة سخيفة هي زلّة من زلات قلمي، لكنّها كانت مبتهجة بوليمة الحبر هذه، تتعرّق لغة متشحة لون الورد تارة، مندسّة في سواد كئيب تارة أخرى،  تحيّنت فرصة استسلامها لفكرة بدت عميقة  و همست في أذنها:

– ما يعجبني فيك أنّك لا تفرقين بين الذكر و الأنثى، و لا تصدرين علينا أحكام القبيلة.

قهقهت صديقتي بملء حبرها و قالت:

-هم تحوّلوا إلى آلات حرب و حين يفشل الواحد منهم في إعلان الحرب و تخريب العالم، يحاول أن يكتب رواية بالوجه القبيح و الحربي للإنسان تماشيا  مع الخراب الذي يمارس من حوله، و كثيرات منكن بريئات من هذه الحرب الدائرة رحاها في الكون، لا زلن يحملن إحساس الأنثى الإنسان، لا زلن يحملن أحلام العذارى للتخفيف من جرائم الحرب المعلنة في الروايات، هم يكتبون الأحذية و الأسلحة و الأقنعة و  أنتنّ تكتبن الفساتين  بحواشي من الدانتيل وأحذية بكعب عال و ذاكرة مثقوبة  حينا، و نازفة أحيانا أخرى.

أوجست خيفة من صديقتي، رغبة جامحة اجتاحتني و أمسكت يدي عن الكتابة، تحوّلت عنها إلى رفّ مكتبتي العلوي، سحبت كتابا، دسست نظراتي بين سطوره، تخيّلت حروفه تتزيّن أمام مرآة فضّية و قد أسلمت شعرها لمصفف خبير، فوجدت الكاتبة لم تخرج من رواياتها السابقة و كأنّي بها  تقول للرجل لست معنية بروايتك الخشنة و عوالمك الغرائبية، روايتي أنثى ألبستها قصيدة أنيقة، و سبكت من اللغة جواهرها و لآلئها.
إنّه نفس الموضوع يتكرّر، و نفس الجرح ينطق و يصرخ حبّا و جنونا و أسفا على وطن يقتل أبناءه كما تأكل القطة أبناءها، إنّ نزيف قلم الكاتبة يصبّ في أوردة القلوب المذبوحة بالخيانة و ينبش في  الذاكرة …  

ها هي ذي مرّة أخرى تدهش  القارئ بلغتها المعطّرة بالشعر،و تسحره بأسلوبها الذي يلبس بذلته السوداء الأنيقة التي تليق به” فالأسود يختار أسياده”*، تصافح المدن و  تتربّع على عرش القلب و كأنّي بها تقول:  ها أنا ألبست رواياتي قصيدة كما تلبس الأنثى فستانها المخملي الجميل.

 وجدتها غير آبهة بغير ذلك الجمال الشعري الذي أغدقته على جملها  فراحت تنحت اللغة تارة و تفجرها تارة أخرى. 

حينها استرجعت مقولة أنّ الشاعر يعيش ليكتب قصيدة واحدة، فتساءلت بيني و بين نفسي:هل يحدث نفس الشيء مع الروائي،  و كلّ ما يفعله هو أنّه يكتب رواية واحدة فصولها موزّعة على بقية الروايات التي كتبها خلال مساره الأدبي.

 و في اللحظة التي يكون فيها على يقين بأنّه تفوَق على نفسه و لم يكرّرها، و أنّه أتى بالجديد، يعثر على أنفاسه تلهث وراء ما تراكم في لا شعوره، يجد نفسه يكمل ما لم يقله في روايته السابقة و هو يبحث عن نهاية أخرى لم يتوقعها للبطل.

هذه البذلة الشعرية الجميلة تليق برواية تتصالح مع الذاكرة، لكنّ أصواتا أخرى همست برأي آخر و أدارت ظهرها لهذه الرواية، فهل  مطلوب أن تكون القصائد وحوشا تفترس اللغة و الفكر جميعا، وأن تكون الرواية أكثر دموية لتستقرّ الأمور في زمن الحروب المعلنة و غير المعلنة، و ما تبقى من دماء ستلعقه الأخبار الواردة من هنا و هناك عن أعداد قتلى
الانفجارات  و التفجيرات و حتى ضحايا حوادث المرور… المهمّ أنّ الإنسان صار أرخص من ذبابة و موته لا يعني غير الورثة إن كان رحل و ترك وراءه شيئا يذكر…
هل أنّه كلّما تبلّدت الأحاسيس في عالمنا  ازدادت الهوة التي تقع فيها بعض الرؤى فيحتدم الصراع على الواجهة و تتساقط الأقلام ضحية حالة طوارئ يعيشها الأدب؟
و حتى تلك النصوص التي تلبس ثوب الأنثى الحالمة المحبّة الرقيقة، أو تلك التي تنتصر لإنسانية الإنسان أو تلك التي تتصالح مع التاريخ  هي نصوص تكشف بؤس حالنا إذ نكتب عن شيء غير موجود فلا وجود للحبّ إلا في أوراق هؤلاء، و لا وجود للانتماء للوطن إلا في وثائق  تثبت الهوية، و لا علاقة لنا بالتاريخ سوى أنّه يعيد نفسه رغم أنوفنا جميعا. الحقيقة الوحيدة هي الحرب و الدماء المسفوكة  و الموت و الأنانية. كلّ نص يغوص في هذه الحقائق يبقى على قيد الحياة و قد يستلم صكوك الغفران للدخول إلى جنّة الأدب…

فجأة  ارتجّ جسدي على رؤية شيء غريب، كأنّي برصاصة طائشة فلتت من شاشتي الزرقاء، تمسّكت بالكتاب الأنيق، سحبت أوراقي التي استدرجتني إلى الكتابة و انزويت في أحد أركان غرفتي، كانت فرائسي تهتز و أنا أراقب ما يحدث في تلك الشاشة عن كثب. شيئا فشيئا بدأ الشعور بالأمان يدب في نفسي، فأطلقت ضحكة  أيقظت من في البيت، تخيّلت نفسي امرأة من العصر الحجري، لم أدرك بأنّ رسالة وصلتني على المسنجر و أنا منغمسة بين سطور الكتاب الورقي، أغرقَ الحبر تفكيري فخلتها رصاصة طائشة… استجمعت قواي و اتجهت صوب حاسوبي و إذا  بصوت متكسّر يتناهى إلى  سمعي يقول: هل فقدت القدرة على الكتابة؟ التفت فوجدت الورقة البيضاء تنزف غارقة في حبرها.

——————————————————————————-
*: جملة وردت في رواية “الأسود يليق بك” للروائية الجزائرية الكبيرة أحلام مستغانمي.

السابق
قراءة في المجموعة القصصية “سر البيت المفتوح”
التالي
أصابع الخجل

اترك تعليقاً

*