القصة القصيرة

هناك

على حافة الحلم كان الملتقى؛ لقاء لم يقترفه أحدهما عن سبق إصرار وترصد؛ وحده القدر يجيد رقن الحكايات وحَبْكَ المصائر، وقد يتوارى هناك باسما ينتشي؛ ليٌتِيحَ مجالا لبراءة الطفولة؛ عندما نحل أول يوم بالمدرسة، ونَجِدُنَا بين أربعة جدران وتحت سقف واحد؛ بين مخلوقات تشبهنا؛ وأرواحٌ نُصِبتْ عَرْضَ الحائط ولم تقترف جريمة، هذا الوحش البالغ الذي يتدثَّرُ بالبياض مرَّةً!؛ أليست من جمعتنا به هنا؛ أيضا ساحرة يلقبونها صدفة؟ وهذا الطِّفلُ الكبيرُ يتسمَّرُ عند بَوَّابَةِ المقهى الصّغِيرِ؛ كَفَارِسٍ قبيلةٍ عاد من فنائه يتأهب عائدا للقتال؛ أيَّةُ مهانة وأيُّ حَنَقٍ يستبِدّ بنا حين نغادر فضاءاتنا الرحبة؛ حين تُغتصَبُ براءتُّنَا و يتسلّل من بين أيدينا – كألوان الطيف- ربيعُنا الأغرّ؟.. إنّه رَبِيعُ الطّفولة!..
كالرّجُلِ الخُفَّاشِ يتزيّا؛ بقميص صيفيّ بدا فيه وكأنه ارتداه خلسة؛ وأَفْرَدَ ساقيه للرّيح على غفلة من شقيقه الأصغر..تداعب أنامِلُهُ سيجارة – لعينة – ويدُه اليمنى بين فينة وأخرى تنتصب للمرافعة..وهذا الكهل الغامض الذي يشبه الضباب؛ يغوص الآن في كُرسِيّهِ يتظاهر بالإعياء؛ ينفث دخانه؛ يستثيره أمر مُستَجدّ..تراه كمريض غاب عنه وعي واللحظة قد حضر.. تحت حافة قبعته تلوح لك عينان تجتمع فيهما كثير أشياء؛ أقوام من هنا وهناك؛ أسطورة أمازيغية، حكاية رومانية، قصص غجرية، طلقات رصاص تمزق أستار الصمت هناك في صحاري غرب أمريكا، محنة المسلمين واليهود في بلاد الأندلس والأفول إلى الجنوب والمجهول !.. كانت نظرة واحدة يرسلها في اتجاه الشاب الحانق والحزين توحي لك بكل هذه الأشياء مجتمعة؛ يتأمله وينصت إليه كشيخ مولع بالشاي مأخوذ بموسيقى السماع، يُذَكِّرُه هنا بالطفل الذي يسكنه من أمد بعيد يأبى الرحيل..حين غادر القرية ذات مساء؛ وظل يحدق في السيارات العابرة في انتظار حافلة تقل حبيبة تحمل إليه عزاء ولذيذ أمنيات..يحضره كيف مال عليه المعلم حينها بنظرة حانية ندية وشيء يلوح منهما يشبه الشرر وقال: إذن؛ هي لحظة الفراق قد أزفت؟..لم يكن للطفل خيار؛ كانت أسابيعه الأخيرة قبل انتقاله للإقامة والدراسة بحي هامشي بمدينة فاس؛ أما والداه فقد باعا قبل أيام بستان الزيتون وبيتا من تراب..- لَعَلَّكَ تُغَالي أيها الشاب؛ أَوْلِنَقُلْ: هو منك سوء تقدير ليس إلا..صَحِيحٌ أنك حُزْتَ على شهادة عليا في علوم الالكترونيات و ترى أنهم يحرمونك الآن من ممارسة لعبتك الأثيرة مذ أصابتك على غفلة من والدتك لسعة كهرباء؛ لكن أن تصير وحالتك هذه لعبة حياة أو موت فهنا عليك أن تعيد النظر . كذا أدلى الكهل الغريب بدلوه و أعقبها بابتسامة أَطَلَّتْ بعدها ابتسامة أخرى..ثم أردف : ثم إن لك -على عكس ما رَمَوْكَ- صوتا شجيًّا يليق بالإذاعة؛ قل لي بربك: هل يملك الربيع أن يتبرّأ من آذار؟..كيف حَكَمُوْا عندها وكيف تحكم الآن؟ لا يا صديقي.. لا! لَيْتَكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أخطأت الهدف وضيَّعْتَ الفكرة.. فكرة ركوب قارب الموت لا تعدو أن تكون فكرة من يهديك سمًّا في العسل؛ أيُّ وطنٍ يُمسي حين يخاصمه الربيع ويرحل؟ ثم انظر أمامك إلى الربيع كيف ولّى من هناك وأدبر؛ حِينَ أضعت معلّمي هناك على قارعة الطريق وَضِعْت؛ كَأَنِّي أراه فيك يحضر الآن لِيُجَدِّدَ اللِّقَاء، هكذا؛ و بعد سنوات من الغياب وصلني أنه غادر إلى الشمال الأشقر؛ هناك لبث يطارد حلمه كما لَبِثُّ هنا أقتفي أثر حلم آخر؛ شيء يشبه وجبة مخدِّر يُلْقِمُنَا منها طبيب جرّاح؛ وبعيد لحظات وبضع كلمات عذبة؛ تجدنا ننطلق في السفر..هي بغية واحدة و إن اتخذت لبوس أشياءٍ أُخَر..بُغْيَتُنَا أنثى؛ بقدر ما هي حكيمة؛ مراوغة تُجيدُ التَخفِّي و نصبَ الشِّرَاك ثم تَنْخرطُ في ضحك مكتومٍ تَمَامَا كما يفعل الأطفال. يدلي بدلوه رجل يشبه الطيف على يمين رجل الضباب: أيها الشاب ربما عليك المغادرة – كذا قال الرجل الطيف- وأردف : أشعر أن رفقتك ليست كما يجب؛ لو سمحت تنحّ إلى الأعالي؛ فهناك ما يكفي من الهواء؛ هواء طازج يملؤك بالحياة. تراه من يكون شبح رجل للتو قد حضر؟..أوّاه إنه صديقي الأثير!..أواه؛ كيف أضعتك قبل أن يقودك الموت للسفر! كيف يطيب لك الآن نزفي و تَطْرَبُ لِلْعِتَاب؟؟.
بوجه تعلوه ابتسامة ظفرٍ ويَدٍ صوَّبَتْ إلى الأمام قُبَّعَتَهُ الثّائِرَة؛ تقدّم الشاب الواعد ليؤدي فريضة الوداع ثم أرسل ابتسامة أخرى كأنه يلعب دور صبيّ شارد في الفصل يخشى العقاب – سؤالي الأخير لك يا صديقي رجل الضباب: هناك لا شك قد طال بك المقام في كثير من البلدان؛ هناك المال والمجد كما الشراب والنساء؛ ما الذي عاد بك بعد كل هذا الغياب؟ ماذا دهاك لتغادر فردوسي المفقود؟؟..تطلّع إليه الغريب برهة و أجاب : كنت ضائعا هناك دونك..فتشت طويلا؛ والآن قد وجدتك!.

السابق
دعم
التالي
انتقام

اترك تعليقاً

*