قراءات

هوية النص الإيقاعية وتشظي العتبة نموذجا في نص “شهيد الشبّابة”

للكاتب محمود عودة

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

مقدمة:
تغلب على الإنسان عاطفته فيصفق فرحا أو يبكي نشيجا حزينا فيعبر عما في مكامن النفس الإنسانية من عواطف أو ما يختلج بنفسه وهو بذلك يحدث إيقاعا.. والموسيقى نوع من أنواع الإيقاع وقد وجد هذا الإيقاع أوالنغم على الأرض بوجود الإنسان فهو ملازم لحياته.. فاختلفت لذلك التنسيقات النغمية، وسلطة النظام الموسيقي عنده. 

أوَّلا: العنوان وموسيقاه:
أ ـ تشظي العتبة:
الموسيقى قد تعتمد في تقنياتها على فنيات معينة ومختلفة نسميها هنا تشظي عتبة النص ونقصد أن تكون عتبة النص تكرارا بؤريَّا وإزاحة ذات دلالية دائرية. وقد تبتدئ مع حروف المد وبتزاوج الحروف والكلمات. فتتمظهرالموسيقى بجرسيتها وعلاقتها النغمية مع الحرف بحيث تنعكس مع خلفية الحالة الانفعالية في نفسية الكاتب والحراك الأدائي للعنوان والانفتاح الدلالي لاهم مقاصده الجزئية فتاتي متجانسة نغمية النص. فهناك ارتباط وثيق بالدلالة المنبعثة أساساً من الصياغة اللغوية لعنوان النص التي هي بمثابة سلسلة من الحركات الصوتية المقترنة والنابعة من الحركات الفكرية ومن ثمة تأتي حركة تمكزها الأساسي من خلال الصياغة السردية وتفاعلها مع كلية النص فتتكون لذلك علاقة تأثيرية بين الإيقاع والدلالة وأقصد بها فاعلية العتبة / العنوان مع اللغة والمعنى.
ب ـ موسيقى العنوان
منذ العنوان تنبعث تلك الأنغام الحزينة …..
_شهيد الشبابة _
في هذا المركب الاضافي نستمع الى موسيقى داخلية متأتية من الشين حرفا أوَّل.. جمع بين كلمتي الشهيد و الشبابة
أنها شين الشهيد..
شين الشجن..
شين الشجى..
شين الشرور ..
شين الشوارع
شين الشدّة والشقاء
هي شين في الشبابة
شين للشدو والشادي
شين الشذى والشفاء
شين الشعوب والشباب ….
هكذا ومنذ البدء هتفنا معا ذاك النشيد وعزفت شبابة سعيد لحنا شجيّا شيّع جنازة بطل شهيد …

ثانيا: الموسيقى بين وزن و رمز
للموسيقى حضور في النص
بدا كثيفا من خلال تعدد الألفاظ المحيلة على عالمها الجميل..
ونبدأ بالشبابة تلك الآلة الموسيقية التي يمكن أن نعتبرها بطلة فاعلة وشخصية نامية في عملية القص ..
بدأت بفعل إصدار الأنغام تعبيرا عن مجرد حب صاحبها للموسيقى
و انتهت بفعل نضالي واع
تمثل في تبليغ رسالة للمساجين فيها استنهاض للهمم ودعوة للصمود وعدم الاستسلام…
ومن المعجم الموسيقي الموجود في النص نذكر (الموسيقى _الغناء _الشدو _الشبابة _ينشد _ أنغامه _…….)
وللشبابة قيمة دلالية
إذ مثلت صوت الحرية وصرخة الثائر وأنّة السجين
إنها رمز لحرية التعبير والرأي …
والموسيقى مع الكلمة الهادفة تمثلان شكلا من أشكال التعبير عن الرأي وطريقة من طرقه..
فالألحان ترفه عن اللاجئين والمبعدين وتمنحهم والمساجين أملا جديدا في الغد الأفضل كما تمكنهم من حرية بديلة وقتية قد يجدونها في الألحان العذبة والكلمات عميقة المعاني ..
وتدفع الشعوب المضطهدة الى النضال حاثة إياهم على الصمود…
ولنا في قصائد الشابي المغناة خير دليل على دور الموسيقى والغناء في تغيير حال الشعوب وبث الوعي في صفوفهم وجعلهم يؤمنون بأن الحياة إرادة
وكم رددت شعوب العالم و أنشدت
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
وكم كان لأناشيد الثورة الفلسطينية وقع على السامعين الثائرين قبل الانتفاضة وبعدها
وبقيت تلك الكلمات والألحان ذات الايقاع الحماسي السريع النشيط الحي خالدة
مازلنا نرددها بكل حماس وعزم:
أناديكم أشد على أياديكم وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم ….

ثالثا: وحدات النص الإيقاعية
1 ـ الموسيقى العلائقية:
أ ـ علاقة البطل / الطفل بالموسيقى
لقد كان الطفل في الجزء الأول من النص وأقصد من البداية الى قول الكاتب
(هزيعا) محبا للموسيقى عاشقا لها…
تجسد عشقه في عزف دائم و تعلق طفولي بالشبابة ..
إنه ينطلق معها منشدا مرددا أعذب الألحان والأغنيات …
ب ـ علاقة الموسيقى بالطفل /البطل
مثلما نما عشقه للموسيقى على حد تعبير الكاتب في بداية القصة
نما عشقه للوطن من خلال ترديده اليومي لكلمات النشيد الوطني (في طابورالمدرسة)
هناك في زمن ما قبل الانتفاضة كان سعيد سعيدا رغم الاحتلال تتفاعل معه طبيعة قريته بأوراق أشجارها وأشعة شمسها واتساع فضاءاتها _فما زال على تلك الأـرض ما يستحق الحياة _والغناء والانطلاق و الفرح و اللهو مع العصافير و المرح…
2 ـ موسيقى الزَّمن/ الحلم ..
أ ـ موَّال الحلم:
لقد عاش الطفل البداية في زمن حلم.. قد يبدو للطفل جميلا رغم قبح واقع الاحتلال ثم استيقظ منه على حدث الانتفاضة وغياب والده المتكررعن البيت..
هكذا تبدأ الوحدة الثانية من قول الكاتب (اندلعت الانتفاضة) وتتواصل إلى آخر القصة أي إلى حدث الاستشهاد
وفي هذا القسم انزياح كما نلاحظ في مستوى الزمان..
تزامن مع انزياح في مستوى تعامل الشخصية مع آلته المفضلة وموسيقاها ..
لقد نسي الانطلاق واللعب وانضم الى صفوف أطفال الحجارة ( يغلف كل حجر بنغمة شبابة أو موال)
إذ لم تفارقه الأغاني و لم تسلبه الحرب وويلاتها حبه للموسيقى ونغماتها
لكن الطفولة هي التي فارقته اذ أن مواضيغ ترانيمه قد نضجت وصارت أكثر التزاما وباتت كلها تتغنى بفلسطين الحبيبة (شباب الفدا يا شباب الفدا فلسطين نادت فلبوا الندا) وصار شبلا من أشبال هذا الوطن
ب ــ موَّال المواجع
يمشي على الجمر شبل ..
طفل ولكن مقاتل
.وحين يتعب
يعلو صوت الفدى ..
فيواصل) …
لقد كبر رغم أنفه ..
وكبرت معه شبابته ..
ونضجت ألحانها ..
اعتقلت معه كما اعتقل ..
وناضلت كما ناضل …
وأعلن صحبتها الفرح في المعتقل رغم الوجع والالم
هو شكل من أشكال التحدي الأسطوري للشعب الفلسطيني شعب لا يهاب الموت.. يحب الحياة و الغناء والموسيقى .. قاهرا بذلك حقيقة: أرضه السليبة التي صارت بها وجوه غريبة
هكذا تنغلق القصة بمشهد حزين إذ طالعنا الطفل شهيدا من شهداء الرأي و التعبير …
فعندما علا صوته بالغناء و قال ( لا للقهر / لا للظلم والطغيان / لا والف لا )
أدرك أنّ الأغاني ما عادت ممكنة وأن الصهاينة أو المدينة قد كنست كل المغنين وريتا كما يقول درويش..
ج ـ موَّال الانبعاث
أن مشهد النهاية لا يعبر عن الموت رغم حضور معجمها (المدججة _الرصاص _سقط _مخضبة _الدماء )
وإنما عبر ذاك المشهد على الحياة اذ يتواصل النشيد ولا تنقطع المواويل
هي أناشيد لفلسطين للأرض لكل وطن مغتصب حزين ونظلّ نغني كما يقول الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم:
حنغني دايما حنغنّي / و نبشّر بالخير و نمنّي /و نلفّ الدنيا الدوارة /على صوت النغمة الهدّار/ معانا المشرط و البلسم / في الكلمة الصاحية النوّارة / هو احنا كده / و حنبقى كده / ماشيين عارفين مع مين على مين/…

الخاتمة:
توفر عتبة النص توازنا بالعناصر الموسيقية وبنظامها المحكم في الحركات والسكنات فتُكَوِّنُ العتبة / العنوان تموجات نغمية منتظمة متسلسلة ليس فيها اضطراب و لا نشاز وتمضي محتفظة بالرنين نفسه إلى نهاية النص السردي لكأننا نسمع إلى موسيقى منتظمة في اهتزازاتها وموجاتها الصوتية لانسجام الألفاظ بعضها مع بعض و دقة اجتماعها بعضها إلى بعض حتى تألف بما تمنحه من ايحاء قوة ذاتية و يجعل لها من التركيز والتأثير ما لا يكون لها في السرد.
إننا نتأثر بالموسيقى و نستجيب لها، واللغة المتشظية للعنوان تبدوتنظيما موسيقيا للكلام، فإذا سمعته الأذن شعرت بالطرب الذي تشعر به حين تسمع الموسيقى.

السابق
شهيد الشبّابة
التالي
مؤامرة

اترك تعليقاً

*