القصة القصيرة

وآه رأساه

” آل رباع ” صار” آل مناع “..لا يهم ..المهم من يجلس ليستمع ..ويتعظ.. ولا يطير, ولا يفر.. ولا يقول ..
ــ ” خلصنا يا عم الشيخ .. ورانا مصالح ”
ستة أشهر, وأنا فيهم ..أخطب.. وأتكلم.. وأقول ” قال الله .. قال رسوله ” فَرْغتُ نفسي تماماً.. من أجلهم , أذهب إليهم كل يوم.. في الشتاءِ والصيف لا أبالي ببرد.. ولا مطر .. ولا حر , ولا قر .. المهم أصل إليهم .. وهم يستمعون , ليتعظوا .. حتى بح صوتي …..
نصحوني أصدقائي كثيراً .. الا أثقل عليهم .. بإتيانهم كل يوم .. حتى لا أَمَلْ.. ولكني لم أهتم .. فرموني بالجنون .. وأنفضوا من حولي ..فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم , ومنهم .. ثم استعنت بالله … وذهبت إليهم مع زميلي .. الذي يصحبني ليريني الطريق.. وما ان دخلت العربة علي مشارف القرية.. حتى انفلت عقلي من عقاله.. وسرح في خياله.. واحلامه الوردية … ليتخيل المكان … ووجوه الناس الذين هم في انتظاري.. وهي ناضرةٌ , مسفرةٌ , مستبشرة.. مشرئبين بقلوبٍ يقتلها الظمأ.. وهي متعطشة لحديثي المرتقب .. فودت أن اسبق العربية إليهم …
” سيحبونني كثيراً جداً , وأنا كذلك … وسأقيم بينهم … وسأتزوج منهم وسأبدأ معهم حياة جديداً … وستصبح هذه بلدي الثانية .. وسيكونون أهلي , وعشيرتي , وناسي … وسأجعل كبيرهم أبي … وصغيرهم أخي … وأكن كواحد منهم … أفرح لفرحهم … وأحزن لحزنهم … وسأجعلهم يحلفون بحياتي ….”…..
ــ وصلنا المدخل يا عم الشيخ ..؟!
شكرته .. ونزلت مع زميلي … الأرض الزراعية تحيطنا من كل جانب سحبت قدماي , ومشيت مهرولا… علي الأسفلت بمحاذاة الترعة الصغيرة المليئة بالمياه الضحلة … اتطلع إلي السحاب وهو يسبقني … والطير من فوقي يصدح , وقد ملأ وجه السماء … والمنازل الريفية وقد وزعت بطريقةٍ ساحرةٍ … والناس بملابسهم البسيطة يمضون … كلٌ إلي وجهته كقطعة من الطبيعة الخلابة … حمير تنهق .. مواشي تصدر خواراً متقطعاً والكلاب تنبح عليّ..والأشجار الصنوبرية , مسطورةُ علي الطريق..وكأنها تميمة فرعونية رائع..والنخيل المبعثر بيد الطبيعة.. وسط الحقول يتراقص بمرء عجب … يتمايل مع الريح , جزلاً كنت أسير … وخلتً للحظة , وكأن اليوم يوم عيد..وكأن البلد قد أعدت نفسها لاستقبالي.. في حفل رائع, مهيب , وجميل… ” بنزيمة للعربات ” أول شيء يصادفك علي الطريق .. وفي الجبهة المقابلة من اليمين ” مستودع عاز “. بمحاذاته ” مدرسة ثانوية مشتركة .. ثم مدرسة أخرى .. ثم نقطة شرطة.. وبعض المنازل الصغيرة .. كسرت يميناً في حارة ضيقة , ليس فيها غير بيت ,أو بيتان , أخرهما ” وبور المياه “.. ثم قهوة صغيرة بحجم الغرفة الواحدة .. وبعدها بخطوات قليلة ..أستقبلنا جامع متواضع .. وكنت اسير مع زميلي في صمت.. ربما قطعه سؤالاً مني ..أو بضع كلمات منه.. في موضوع ما..لا نتعدى كلمات قلائل .. ثم نعود إلي الصمت من جديد ويعود عقلي إلي خياله ….. وأخيراً وصلنا… المكان مغلق .. لا أحد فيه ..لا يوجد أحد.. اللهُمَّ إلا ثلاثة ” دكك “.. جلسنا علي واحدة منها, تسامرنا بعض الوقت.. أخد يقص علي قصته.. وهو يحكي لي عن أهل هذه القرية.. وعن المكان الذي سأعمل فيه حتى دخل علينا الظهر.. فعرض عليّ ان نصلي في الجامع الكبير.. أومئت له بالموافقة .. وأنا احاول جاهداً … أن أخرج له ابتسامة بسيطة … ونحن في الطريق … أخذ يبين ليّ مداخل القرية… ومعالمها .. ويقول ليَّ … هو يشير بيده …
ـــ ” هذه الوحدة الصحية … وهذا هو السنترال …والبوسطة … والوحدة البيطرية .. ونقطة الشرطة … والنادي … والمعهد الأزهري الجديد … الذي قام بالجهود الذاتية …. علي مساحة كبيرة من الأرض … ” ؟؟!!…
وكنت أستمع إليه .. وأنا في دنيا ثانية , وعالم أخر جميل… ألقيت نظرة سريعة علي المكان .. عندما عدنا من نفس الطريق .. ورجعت.. أحدث كل من يقابلني من الاصدقاء , ببهجةٍ , وسعادةٍ … عن مكاني الجديد عند ” آل رباع “… غداً سأقف فيهم خطيباً مفوهاً.. والكل سيجلس ليسمعني … وأنا واقف فيهم أعظهم .. وأذكرهم .. وأعرفهم كل شيء .. وسأدعهم يسألون عن كل شيء , وعن أي شيء.. وأنا اجيب.. ولا, ولم , ولن أمل حتى يملوا .. وحتى ان ملوا .. سأروح عنهم ببعض القصص .. والحَكَاية وان انصرفوا عني … سأجلس في مكاني ..أحدث من حضر …. وأقول .. ــ” قال الله .. قال رسوله ..”… المهم أودي واجبي علي أكمل وجه … وكما ينبغي .. فأنا معي رسالة … واريد ان اوصلها للناس .. أي ناس … فليكونوا .. ” آل رباع ” … أو ” آل مناع ” … أو غيرهم , لا يهم .. المهم من يجلس ليستمع .. حتي تصل الرسالة.. وليكون ما يكون وقد كان ما كان.. وتوالت الأيام .. والاحداث.. أذهب اليهم كل يوم .. فأجد المكان مغلق .. ولا أحد هناك , كالعادة … اللهمَّ الا نفر يسير … والاطفال من حولهم … يحفظون القران في الألواح … { نسيت أن أذكر… أن في هذا المكان ” كُتّابْ ” } … وهذا مما زاد من دواعي سروري .. وذاد من مجهودي أيضا … فقد خصصت يومين في الأسبوع .. للأطفال فقط … ومن أراد أن يستمع من الكبار …فلن أبخل عليه بالسماع .. وفرح الأطفال وفرحت أنا أيضاً .. وهللوا … وصفقوا… وهاصوا.. وراحوا يتزايدون .. ويكثرون يوماً بعد يوم ..وبالتالي زدت أنا من مضاعفة مجهودي, حتى قولت لهم يوماً : … ” هل من مزيد ” … فعلقوا .. وسخروا.. وضحكوا , وضحكت انا لضحكهم .. وهكذا … حتى أصبحت حديث القرية.. وخاصة بعدما هداني الله لفكرة طيبة .. هي ” اعدت لهم مسابقةٍ .. وأسالتهم فيما قولت لهم .. وسمعوه مني .. فاستجابوا لذلك .. ونجح الجميع .. بتفوق واقتدار .. وفرحوا بذلك ..”…. فأنا معي رسالة .. أريد أن أبلغها للناس .. أي ناس ..ليس مهم أن يكونوا ” آل رباع “.. أو” آل مناع ” .. أو غيرهم , لا يهم ..المهم أن تصل اليهم.. ولن أمل حتى يملوا, وأن ملوا , ولن أسكت عن الكلام .. وأن انفضوا من حولي .. وانصرفوا.. حتى ولو تكلموا عني ورموني , بالهوس , أو الجنون .. فليقولوا ما يقولوا .. فهذه مهمتي … وهذا طريقي الذي أختره … قدري أن اسير فيه .. ولن أحيد عنه قيد أنملة وحتى أخرج من أثم كتمان العلم… ولا أكتم سراً .. أن قولت أنهم , أقسموا لي بالله العظيم , يميناً مغلظاً بكسر الهاء.. ” أنهم قد فرحوا بي , ايما فرح منذ جئت إليهم .. وكأني مدد من السماء جاء إليهم .. حتى يعرفوا أمور دينهم … وقالوا ليّ : بالحرف الواحد …
ــ ” والله تعلمنا من الشيخ ” …. ” كثيراً من يوم ما جاء إلينا . ” !!!
وكنت كلما ضايقني أمر ما … كعدم النظافة مثلاً …أو اشتكيت من هروب العمال… وبأني لم أراهم … وغضبت .. وأردت أن أجس النبض .. بقولي ــ ” سأطلب نقلي من هذا المكان .. ” ؟!!…
ألتفوا حولي .. هدئوني .. وهم يمتدحوني ..ويثنوا علي خيراً .. ويطروني ويعدوني بأن يلبوا ليّ كل ما أريد … فأشكرهم , وأشرع في الدرس …. وتوالت الأيام … والأحداث … وأصدقائي يتغامزون من ورائي … وينصحوني بعدم الذهاب يومياً … حتي لا أمل … أو أُمل… فأخرج لهم لساني .. وأدعهم , وأنصرف , مهرولاً اليهم , حتي ألحق المواصلات .. قائلاً لهم .. ـــ ” الناس في انتظاري هناك .. ” …
ستة أشهر , مائة وثمانون يوماً بالتمام , والكمال .. أذهب إليهم … فأجد المكان مغلق … أفتحه … أجلس … أنتظر من يأتي منهم … ليستمع ….. في الأمس القريب … قابلني صديقٍ قديم … أخبرني بأني قد تم نقلي … إلي مكان أخر… في البداية .. ظنته يهزئ بي … ويضحك عليّ … لكن ّ كلامه كان صدقاً … علمت ذلك من الموجه …
فسألته بجنون … ـ
ــ ” ماذا فعلت .. ولماذا ..” ..؟1 ..
فقال ليّ ..
ــ ” لان النفوس قد بدأت تشحن منك ” ..
فاسترجعت كل ما كان .. ثم تحوقلت ..
وقلت بصوتٍ عالٍ … بعدما ضربت يداَ علي يد ..
ــ ” إنهم أحبوني كثيراً ..؟!.. وأقسموا ليّ علي ذلك ..؟! .. وأخذوا عليّ .. وأخذت عليهم …؟! .. ستة أشهر وأنا معهم .. لماذا.. ” ؟؟ !! ..
فضغط علي يدي .. ونصحني .. بأن أغير المكان .. وراح يشكر ليّ في مكاني الجديد .. ثم همس في أذني …
ــ ” لا تذهب اليهم كل يوم .. يكفي يوماً أو يومان في الأسبوع . ” ! ..
ووعدني بأنه أن مر هناك .. فلن يأخذني غياب .. فشكرت له ذلك … وأنا أمسح دموعي … حتى لا تقع علي الأرض .. وسألته عن الخطاب الذي سأتوجه به إلي هناك … فقال مع الشيخ ” عشري “.. فلم أنتظر… تأبط كتابيّ .. وركبت العربة … وذهبت إلي هناك .. ألقيت نظرة وداع أخيرة , طويلة , علي مكانيّ الأول.. سلمت علي كل من فيه .. كانوا ثلاثة نفرٍ فقط.. جالسين علي” الدكة “وحولهم الأطفال .. قال أحدهم وهو يبتسم
ــ روح هات المفتاح يا ولد لعمك الشيخ ..
ـ لا ما في داعي .. أنا خلاص أتنقلت من هنا .
قلت له ذلك . وعيني ترقبه .. لأري وقع الخبر عليه .. وهو من واظب علي سماع الدروس .. لم يكترث .. أو يتحرك له ساكن .. واستمر في كتابة اللوح الذي في يده , لأحد الصبيان الجالسين أمامه … ” الم نشرح لك صدرك ..” فقط قال ..
ــ ” ماشي يا عم الشيخ ..” ..
قمت لأنصرف .. بعدما ودعتهم .. وعند الباب وقبل أن أتجاوزه … , وجدت أحد العمال الذين لم أراهم إلا مرة .. أو مرتين علي ألأكثر … طيلة ستة أشهر .. كان مبتسماً , ابتسامة بلهاء مستفزة.. فطلبت منه بأن يصحبني .. حتى يدلني علي المكان الجديد …وعندما وصلت إليه.. وجدته مغلق هو ألأخر .. أتوا لي بالمفتاح .. فتحته , دخلت.. توضئت ., صليت ركعتين ” تحية المسجد ” .. وجلست أنتظر أحداً يأتي .. حتي أتكلم معه .. أسمعه , يسمعني .. لا يهم ألمهم ..أن يجلس معي .. ولا يطير في الدنيا .. ولا يفر .. أو يتقلقل .. أو يتأفف .. وهو يقول ..
ــ ” خلصنا يا عم السيخ ” ورانا مصالح ”
وسآتي أليهم كل يوم … في الشتاء , والصيف … ولن أتأخر عنهم … ولا أبالي.. بحرٍ, أو قر.. ما داموا يسمعوني .. ولن أمل , وان ملوا .. نظرت في ساعة يدي .. كانت تشير إلي الثالثة عصراً , دخل رجلٌ وقور .. ومن خلفه , خمسة نفر .. تعرفت عليهم .. ثم فتحت الكتاب .. لألقي عليهم الدرس … ربع ساعة … ما زدت عنها … قيد أنمله … الا ووجدتهم قد أقاموا للصلاة … وهم يهمهمون بكلمات غير مفهومة … صليت بهم العصر… ثم جلست … وقد غلبتني دموعي … فبكيت … فجلسوا حولي … يسألوني … عن السر … فلما علوا سر بكائي … جلسوا , يواسوني … وهم يعدوني بأنهم … سيستمعون ليّ ليل نهار… وبأن الله قد أكرمهم بيّ … وبأن … وبأن .. ” وعسي أن تكرهوا……. وعسي أن تحبوا …….. ” .. و.. و ….
ثم بعد ذلك … تركوني , وانصرفوا .. وجلست وحيداً .. جزيناً .. يداي علي رأسي .. متاوهاً .. ووآآآه … رأساااه …

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
تيه..
التالي
الباسل

اترك تعليقاً

*