القصة القصيرة

ورقة تهديد

صُعِق لما رآها في جيب سترته عند عودته من العمل، مطبوعةٌ بخطٍ أحمر تقول له: المطلوب سهل جداً، وقابل للتنفيذ؛ وإلا فالخاتمة غير محمودة. في بلد تعمّه الفوضى والحروب الأهلية والمشاحنات والخراب، والقتل وانعدام الأمن والتهديدات؛ صار يرجفُ وكتمَ سرٌه.
(من أين جاءت؟ وممّن؟ ولماذا؟). أسئلةً أوجعت رأسه وأفقدته شهيته للطعام، وحتى آنه أصيب بالإسهال وارتفاع الحرارة؛ فبات يومه محموماً مثيراً للتساؤلات.
أصبحَ متعرقاً طريح الفراش، وزوجته تتصلُ بدائرته تشرح حالته فيمنحوه إجازةً.
أغلق الباب دونه، وأمسك ورقةً وبدأ يدون ويعدّهم.(يجب أن أبدأ بهم واحداً واحداً وإلا أنهاني أحدهم). هذا ما قاله في سرَّه وقرره.
خرج من الغرفة فسلّم زوجته صداقها وقال لها: لقد ظلمتك عزيزتي حينما أكلته وحرمتك منه، ولكنه حقك ولطالما طالبتني به وكنتُ أُسوّف معك.
استغربت ضاحكةً: لم أتوقع يوماً أن تعطيني إياه في يدي، ولكن ربما هذه آثار الحمّى أمس. عبرها بنظرة سخرية وهو يرتدي ملابسه خارجاً.
خارجاً، كان يؤدي ماعليه من ديون منعه بخله من سدادها فأنكرها على أصحابها.
ولأنه قرّر أن يحلّ كل خلافاته، اتصل بحبيبته والتقاها.
_أرجوكِ افهميني عزيزتي، أنا أمرّ بظروفٍ صعبة جداً ولا أستطيع الاستمرار معكِ.
_ماذا؟ والزواج؟ وأنا؟ كيف سيكون مصيري؟
_كم تريدين؟!
_؟؟؟؟
_أنا جادّ، فلا تعطليني.
عدّلت جلستها: طيب، مئة مليون فقط!
_تعالي معي للبنك.
عصراً، كان يخطب لابنه من التي ارتبط بها لخمسِ سنواتٍ وهو معارضٌ لفقر عائلتها المدقع.
وصباحاً، كان يوزع الحلوى في الدائرة ويُكرم حتى الشحاذين على بابها.
نام هذا اليوم وهو يتنفس الصعداء، متأملاً لما دوَّنه: لم يبقَ أحد.. كلهم..كلهم.
صباحاً يغني وهو يرتدي بذلته الأنيقة جداً، ناداها: يالا عزيزتي حتى أُقلكِ لعملكِ بنفسي من هنا ورايح، وهذا بعض المال سأضعه في حقيبتكِ.
كانت فرحةً جداً بهذا التطور، جاءت لتلتقط حقيبتها وقبل أن تُغلقها سقطت الورقة إياها فيها؛ فأغلقتها قبل أن تنتبه لها وقبل أن تسعفه يده بإخراجها.
كان يريد تمزيقها ورميها في سلة المهملات القريبة من الدولاب، ولكنها طارت؛ وما خابتْ!

السابق
القفة
التالي
خطاب لدى الباب…!

اترك تعليقاً

*