القصة القصيرة جدا

ورقة

اقتحمت بخطواتها الأزقة العتيقة التي يسكنُ لياليها هدوءٌ بِعبق الماضي، وروائح الليل العطرية، كان الجو مائلاً للبرودة الخريفية، الطبيعة تستعد لاستقبال تشرين، عِندما لفظتها الغُربة وجعاً استعصى علاجهُ، فاختارت العودة.
تلمست حقيبتها باحِثة عن مفتاح الدار، على مايبدو نسيت أن تتفقده قُبيل مُغادرتها بلاد الإغتراب، ذلك المفتاح الغالي الذي احتفظت به لسنواتٍ داخل دُرج خِزانتها، كيف نسيته، هاهي أصابِعُها تتلمسه، وجدته بارِداً كما جُدران منزلها القديم، دفعت الباب على استحياءٍ، لا جديد الأثاث وقد علاه الغبار، كُل شيء موحشاً، في عودة الذكريات، شعورٌ بالإحباط، وفي زوايا الأماكن صورٌ لا تبرحُ الألباب، وبين الضلوع حسراتٌ مهما حاولت التغلب عليها، تتسلل مِن بين أهداب العيون، تحجبُ الرؤيا وتحجبُنا عن عالم الوجود..
سقطت صريعة الأمس، كم كانت صاخِبةً جُدران الحياة هُنا، وكم منحتها روح الشباب مِساحاتٍ مِن التفاؤل والأمل، عندما ارتبطت به وسافرا لِإكمال الحياة سوية، لكن سُرعان ما اكتشفت حجم سذاجتها التي منحتها سلبية الطاقة، والخمول الذَهني، لقد سلمت له كُل شيء، ليضيع كُل شيء، يحصل أن نخدع أنفُسنا بالحب، ويحصل أن نفشل، ويحصل أن نيأس لِنعود حيث الخطوات الأولى، وقد انتصرت الأقدار علينا، وهاهي ضرباتها لاتُريح ولا تستريح..
استلقت بتأنِ فوق سريرٍ نفضت عنه غُبار الإنتظار، كم بدا موحِشاً، ذاك السرير الذي احتضن كُراسها وغفى فوقه حُلمها بغدٍ ربيعي كما عُمرها الأخضر آنذاك. كم شعرت بِحاجتها لِلبُكاء، وكم تمنت لو استطاعت أن تبكي، أفرغت في حقائب الماضي مافي جُعبتها من دموعٍ، هُناك في أروقة الغربة، اِستنفذت ذخيرتها الأنثوية، وعادت والتصحر في مشاعِرها وبين عينيها..
في تلك الليلة بدأ برد الخريف يتسللُ مِن نوافذ غُرفتها،كان أحنُ عليها مِن برودة الغربة، اِلتحفت مِعطفها الصوفي القديم الذي وجدته فوق ركام أشياءٍ بُعثرت بفوضوية.. وعبثاً حاولت النوم، وعبثاً اِستدنت الإحساس بالأمن
استمهلت آلامها حتى الصباح، وكم كان بعيداً ذلك الصباح التشريني حيثُ استيقظت الطبيعة على صدى جُرحٍ نازف، في تدفُقِه حكايةُ صبية في ربيعها العشرون زُفت لإنسانٍ غير مسؤولٍ عن حماقاته، وسط جحيمٍ عائليٍ أراد لها الإبتعاد، أملاً باستيطان سريرها، واستباحة ذكرياتها، غيب الموت فتاة الحي التي عادت وبين يديها ورقة أنهت صلاحيتها في منزله !

السابق
ثَوْراتٌ
التالي
أديب

اترك تعليقاً

*