القصة القصيرة

وصال

في هودج الرّبيع طرب خافقٌ وقد أرسلت الحياة جدائلها الذّهبيّة، وتعطّرت بعبق الورد وتوشّحت بأكمام الأقحوان مفترّة الثّغر في خجل…
تهادت ليلى في مشيتها مثقلة بأهازيج الشّوق وهي ترنو إلى سنديانة بدا لها أنّ الدّرب إليها كلّما اقتطعت منه يزداد طولا.
كانت تراه يسند قامته الفارعة إلى جذعها، تكاد تثملها نظراته العالقة بخطواتها، تجذبها إليه وتدليها إلى بئر الصّبّ العميقة.
كأنّما احترقت آخر عمد الصّبر فيه ناداها:” أسرعي…”
ابتسمت…
رامت تدلّلا فتوقّفت قليلا ثمّ حثّت الخطى.
قبل تعانقِ كفّيهما فرّ منه السّؤال:
-ما أخّرك…؟ المحاضرة انتهت منذ نصف ساعة.
-بعض الصّويحبات…
-باللّه…؟ !
-التقيت بهنّ وأنا أغادر المدرّج… تعرف أجنّة حديث الصّبايا تفد بلا مخاض وسريعا تتنامى وتتشعّب فروعها…
أجابت مشاكسة، فعاجلها بردّ متهكّم قائلا:” الثّرثرة…”
-العذبة…
عقّبت ضاحكة. فانتثرت فيه ضحكتها شهدا، فردّد وهو يفترش العشب الطّريّ ويدعوها بإيماءة من عينيه إلى مجاراته:” برحيق كلامك حبيبتي…”
كان أيّوب ابن حيّها على وشك التّخرّج، طالبا متألّقا وفارسا لسيوف أفكاره صليل تهتزّ له ساحة الجامعة كلّما عنّ له أن يخطب في الطّلبة ذات احتجاج على الحكومة وسياساتها.
وغرّةً تراقص فراش الحلم وتتلمّظ رحيق الحرف وتشتاق كثيرا إلى أمّها كانت ليلى.
أسرته رهافتها وسحرتها فتوّته ورقّته.
ألفاها بوجهها الطّفوليّ وطبعها الهادئ الرّصين واندساسها في ردهات المكتبة دوما غريبة عن الصّبايا المتبرّجات، المندفعات نحو مجالس المرح في الجامعة، المعتنقات قضيّة المرأة في مجتمع باتت فيه تلك أهون القضايا وأيسرها.
أحبّها حدّ الخوف عليها من الطّفلة الممتدّة فيها فاحتواها عاشقا متيّما، وحصنا منيعا يصدّ عنها عواصف الغواة والمتنمّرين وظلّ فيئها الذي لا يتحوّل.
طفقت ليلى ،في غمرة صمت لفّهما، تداعب أهداب العشب الطّريّ الممتدّ حولهما وبينهما.
بدت شاردة.
ظلّ أيّوب يتأمّلها بصمت.
تسارعت حركات أصابعها وهي تمرّرها على العشب وقد شعرت به يهدهدها بنظراته الولهة.
مدّ يده بها يأسر حركة يدها.
حارقة كمحموم كانت كفّها، وحازمة بدت قبضته…
رفعت إلى وجهه عينيها.
اضطرب خافقها تحت سيل نظراته. فانكفأ بصرها إلى العشب خجلا من بوح العيون ووجلا من أن تقع مغشيّا عليها وشعور بالثّمل بدأ يتسلّل إليها.
كم كانت نظراته تلك تنثر فيها قفير نحل مجنون…
همس:” ما هذا الشّرود…؟”
بدا له أنّها تباطأت وهي تجيب بكلمات متعثّرة:” أفكّر… فيك”
ردّ مشاكسا:” الآن مننت عليّ بتفكير فيّ؟”
رفعت إليه عينين تنضحان انشغالا وهي تقول:” قالت الصّبايا إنّ العميد مرّ بالمشربة سائلا عنك وبرفقته عونا أمن…”
فسألها راسما على وجهه مرج ابتسام:
– ما الذي شغلك في هذا الخبر؟
– لقد قلن إنّهم يقومون بحملة اعتقالات…
-أعرف.
قالها بهدوء جعل نظراتها تتشرنق في وجهه.
ألفَته هادئا… لا أثر لانفعال أو توتّر أو انشغال… كفارس يمتطي صهوة حصانه رأته يشرئبّ بعنقه نحو السّماء ونظراته لا فوح فيها لغير الرّضى والوله.
علقت نظراتها بوجهه الحبيب، تستسقي لخافقها غيث الفرح بمرآه، تحاول إرواء ظمإ يلازمها دوما إليه رغم وصالهما اليوميّ.
كأنّها كانت تتوجّس غائلة أيّام جائرة تتشكّل في رحم عمريهما.
انتشلتها من صمتها همسة ظلّ صداها في خافقها عشرين سنة:” أريد خطبتك.. حبيبتي”
كطفل غريب عن القوم لا يفهم لغة مخاطبه ارتجفت مقلتاها وامتقع وجهها واضطربت شفتاها بلا صوت.
ردّد أيّوب:” ليلى… أريد أن أخطبك من والدك. ثلاث سنوات ستنأى بي بعيدا عن سنديانتنا وعن فيء لقياك، لن أعمل في العاصمة، بل قد يرسلونني إلى أقصى الجنوب، ولا طاقة لي للصّبر. دعيني أتقدّم لخطبتك حتّى أتمكّن من زيارتك وأظفر بوصالك متى نشاء…
-لكنّ والدي دائما يردّد أنّه لن يزوّج بنتيه قبل التّخرّج.
تمتمت ليلى. فأسرع أيّوب يردّد:”لن نتزوّج… فقط خطبة… وفاتحة تجعلك حليلتي…”
رنا إليها بعينين تشرق نظراتهما بشهد الوله…
عانقتها نظراته…
همس :” إنّ الفاتحة تزفّك إليّ زوجة حبيبتي… أمّا قراننا فقد عقده الحبّ منذ رَفّة الفؤاد الأولى. إنّ زواج الأرواح العاشقة أسمى من زيجات الأجساد العطشى، هو الزّواج الأبقى…
كم من أزواج تفارقوا بعد عقود قضموها عمرا من ضنك العيش لأنّ الأرواح ظلّت غريبة رغم تعالق الأجساد، وكم أحبّة تناؤوا وما اهترأ رباط أرواحهم ولا قطعته ارتماءة أجسادهم في غير بحار أمانيهم…
للحبّ شريعته الحقّ…
للحبّ شريعته الأبقى
للحبّ شريعته الأسمى…
ليلَاي.. إنّى أثملني الهوى
في عباب الشّوق عانقتُ أناه..
بتّ انتثارَ نورٍ في السّماء..
والعشق يفكّ أسرنا يا أنا..
نمسي تفّاحةٌ تذروها عن هدأة الغصن الرّياح
فتصَّعَّدُ في ثنايا الرّوح نحو الذّرى..
مَسْرانا أَجِنّةُ الحلم في الوجد المباح
ومرسانا نبضٌ ما تشكّل بعدُ في خرائط ذي الدِّنى..
العشق حبيبتي تمرّدٌ على قانون الجاذبيّة..
يرسم لنا بالنّبض أعراسا على وجه القمر
للرّوح ينحت بوصلةً في فردوس الأبديّة
يُواري بعرائش الوجد سوءاتنا.. فلا عراء ولا خسف لأوراق شجر..”
أحسّت ليلى برعدة تسري في جسدها وأيّوب ينثر زهر كلماته على مسمعها فتذوب في حرارة ولهها وحيائها كوريقة ثلج يمتصّها نبضها الظّمئ بنهم حتّى خشيت أن تتناهى إليه جلجلة أجراس خافقها الثّمل فهوت بنظراتها على العشب من جديد، على يدها التي نسيت أنّها مندسّة في حضن كفّه، حاولت أن تجذبها لتتخفّف قليلا من اضطرام أتون نبضها لكنّه تعلّق بها وهو يهمس:” لمَ تصمتين حبيبتي؟ ترفضين…؟”
صعقتها الكلمة، فَعَلَا في صدرها الضّجيج:” أرفض…؟ ماذا أرفض، النّبض الذي به أحيا والشّهد الذي به بات عمري أحلى…؟ أنّى أرفض وأنا أتنفّس هذا الحلم…؟”
شعر بارتجافة يدها في كفّه فضغط عليها هامسا:” حبيبتي… ارفعي رأسك، انظري إليّ”
رفعت ليلى عينين مثقلتين مزنا يكابد المخاض.
رأى أيّوب وميض البرق فيهما وخشي أن تمطرا، وهو الخبير بعواصف الحياء أنّى تسكنها فتربكها حدّ البكاء، فضغط عليها بحنوّ أكثر زادها خدرا، وهمس:” تكفيني ابتسامتك إن كنت موافقة”. فافترّ ثغرها عن ابتسامة بحجم محيطات الفرح.
أسند أيّوب ظهره إلى جذع السّنديانة وتنهّدةُ ظَفر تفرّ منه ونظراته تلفّ ليلى في شرنقة وله وشوق وتوق، ويمناه ترتشف نبض يسراها زادا لارتحالات الغياب…
عشرون سنة مرّت على رسم هطل الوجد ذاك.
عشرون سنة مضت تقضم عمرها وتنثره حفناتِ دقيق حنينٍ على حساكة آنِ فقدٍ… وليلى تكابد مزق الصّبر، تروم أن تلملمه عساها تخبز منه دندنات أهزوجتها المبتورة.
ظلّت خطاه المغادرة منزل والدها ذات مساء صيفيّ مثقلةً صدّا تنهال على ذاكرتها كمطارق من حديد، وكلمات أبيها اللّاذعة توغل فيها إثخانا وهو يقسم بأغلظ الأيمان أنّه لن يزوّج ابنته لرجل يناصب الحكومة العداء، مهدَّدٍ كلّ حين بالسّجن أو الموت أو المنفى…
كلّما تسلّل البدر من نافذتها الصّغيرة تناهت إليها صياحاته في وجهها متوعّدا:” لن تعودي إلى الجامعة… هل أرسلتك لتظفري بشهادة بها نفخر أم لتنتقي لك زوجا…؟ ! ألا تخجلين من شيبة جدّك وقد ملأ القرية رجالا…؟ !لن تخرجي من المنزل إلّا عروسا أو جثمانا.”
ما أن تسلم رأسها للوسادة حتّى يتعالى رنين صرخاتها وهي تغرق في بحر الدّمع وحبيبها أمامها يغرق في دمائه…
عشرون سنة وهي ترى نفسها في مرايا ذاكرة محمومة تدسّ بطاقة هويّتها في صدرها وتسرع إلى البستان القريب لتلقى أيّوب فيحملها على جناح التّوق إلى مركز البلديّة حيث يعقدان قرانهما ويهبان الرّوحين فرح وصال لا ينتهي…
ما رأت ظلّ أخيها يمتدّ طويلا أمامها، يتشمّم ريح الهوى، وما دَرَتْ أنّ للهوى في دروب التّوق عبق الياسمين…
ما سمعت أنين الهشيم تحت خطاه تقفو شدو خافقها في خبب خطاها…
مادرت كيف تسلّلت يده الآثمة إلى صدر أيّوب تستلّ روحه، تحلّ كفيّهما المتصافحتين، تفكّ تظراتهما المتعانقة في شرانق الوله، فانعقدا في شباك وجع الحكايا عقدة تأبى أن تنفرج…
عشرون سنة قبرت حبيبها، وفي الرّوح زرعته جسدا مضمّخا بالدّماء ونبضا حارقا مندسّا في قباء خطاها الموؤودة في دير مهجور.
فرّت ليلى بعيدا.
كمجنونة ظلّت تجري يقذفها بستان إلى آخر ويدحرجها وهد إلى وهد، حتّى ألفت نفسها أمام راهبة تجالس قبرا وحيدا في فيء شجرة تفّاح.
غير بعيد عن القبر تهاوت ليلى فاقدة الوعي كقطعة مثلّجات في يد طفل أسلمها لثغر الشّمس، وما استفاقت إلّا بعد ساعات لتجد نفسها في دير يكابد النّسيان فروت للرّاهبة العجوز حكايتها واستسلمت لوجود لا فوح للحياة فيه، تنظّف الدّير وتجهّز الطّعام دون أن يدري العابرون بأنّه أمسى للرّاهبة العجوز في الدّير رفيقة مهجع وضجيعة وجع.
عشرون سنة وليلى تكابد النّسيان…
نسيها الأهل وذَرَوْا مطايا البحث عنها.
وما ظفر خافقها لحظةً بفيء نسيان نظرات أيّوب وكلماته وانتثارات دمائه الهادلة بفرح وصالها ذات حلم موؤود.
حفيت نصال لسان الرّاهبة العجوز وهي تتوق إلى ذبّ جحافل غربان الأسى عن نظراتها النّاضحة حنينا معتّقا يأبى نضوبا.
ذات مساء والأفق، ثملا بالتّوق إلى رعشة الوصال يفتح صدره للشّمس المندفعة إليه ولَهًا، والسّماء تذرف بعض طلّ مبشّرة بأوبة الحياة إلى نبض الخمائل المفتونة برضاب المُزن كلّ ربيع، رفرفت نظرات الرّاهبة العجوز حول أيكة ليلى المندسّة في متاهات الذّبول ثمّ حطّت على عينيها المغترفتين من البحر لونه ومن براكين الوجع رماداتها ومن الوغى روائح الرّدى…
همست:”ذري شِقّ باب الرّوح منفتحا للشّمس يا ابنتي. إنّ جدائل شمس الحياة تذبّ عن الدّروب عتمة وجع السّنين. دعي فصول الكون تنفذ إلى قلعة عمرك فيمحو الرّبيع جدب الخريف وصقيع الشّتاء، ويهلّل الصّيف لتباشير ميلاد جديد… أشرعي نوافذ خطاك للنّاظرين يا ابنتي، فالنّظرة قدح جميل يغترف من دنان الغد للفرح مواعيدَ تمسي بين يديك شهدا دافقا كؤوسا كؤوسا، أبناء وأحفادا وحكمة عمر لأحبّة بكّائين شكّائين من مجامر الحنين… لا تردّدي صدى نايي الكسير فتبيتين على حساكة الوحدة تعاقرين حميم رحم تيبّس على نحيب أمومة مغدورة وشيخوخة على ضفاف النّسيان مقبورة… مازال في جرابات عمرك توق الضّلع إلى الضّلع وشوق الأديم الغضّ إلى ارتواء من صخب الخطى المتعالقة في جسر العبور…”
رجّت عواصفُ همس العجوز الأيكةَ الذّاوية ففرّت منها بلابل بوحٍ بشدوِ الرّوح المكلومة فصدحت كلمات ليلى:
” أنا زوجة أيّوب يا خالة…
تزوّجني ذات خفقة النّبض بحبّه ورعشة الرّوح لبوحه و وارتجافات السّماء لأنّات عينيه إذ عانقتني نظراته والمنيّة تعانقه…
إنّي اعتنقت شريعة الحبّ ياخالة، وللحبّ شريعته الحقّ…
منذ بدء التّكوين كانت للحبّ في خافقي شهادة بلا رِدّة…
همس لي يوما:” لأنت زوجتي مذ صدحت روحانا بالوجد، وزواج الأرواح أسمى من زيجات الجسد…”، أيّوب ما مات ياخالة… روحه في نبضي ماتزال تجول، لخمائلنا العبقة بأهازيج النّور ترنو، بعذب الصّبّ تهمس وبنا من رَوح الفردوس تدنو، تجالس شوقي المحموم، تهدهد أجنّة الحلم الموؤدة فيّ وقد غدت في مهاوي المشيب زخّات نار…
إنّا في الحبّ لا نشقى يا خالة إلّا حين نُسلم بوصلة الأحلام لعبث الكبار.
ما دام الحبّ يزوّج الأرواح، فما جدوى أن أزوّج جسدي، وروحي في فردوس زواجها مشرنقَة كبدر في السّماء لا يأفل…؟”
بعد عشرين سنة من اضطرام مأساتها التاعت ليلى بفقد آخر.
لفظت الرّاهبة العجوز أنفاسها وهي تبتسم مردّدة:
” ها أنا أدفع عنّي آخر مِزق وحدتي وأمتطي راحلة الوصال…
إنّي أراه يا ابنتي…
هاهو يدنو منّي فاتحا ذراعيه، راهبا كما كان يتربّع البدر على محيّاه.
هاهو في حلّة الزّواج يأتيني، إنّي أسمع أهازيج زفافنا… الآن بات للرّاهبَيْن أن يتزوّجا.
للحبّ شريعته الحقّ أليلى…
للرّوح كلمتها الفيصل بدءا ومنتهى.
ما أعذب أوبته إليّ…
آآآآآآآآآآآآآه كم انتظرت أوبتنا.
لا أوبة من القبر يا ابنتي إلّا وقد حان الوصال الأبديّ…
ما أعذبها ضمّة في خافقه، خافق مخمليّ دافق بعطر المسك والرّيحان.
إنّي أغرق في لجج وصالنا…
أغرق…
أغ…
أ… أ… أ…”
مسبلة جفنيها على ضياءات وصال الرّوح أسدلت الرّاهبة العجوز ستائر صمت ثقيل على المعبد وهي ترتمي في حضن المنيّة.
وارتمت ليلى في بحر وجع متلاطمة أمواج الفقد فيه.
بكت فقيدتها كما لم تبك أحدا غير أيّوب.
بكت عشرين سنة من الفقد…
دفنتها في حديقة المعبد بجانب قبر وحيد كان لها الأهلَ ثمّ أضحى الوطنَ.
نثرت عليهما وريقات ياسمين مضمّخة بعطر الرّاهبة، عطرا كم حدّثتها عن آخر انتثاراته عليها وهي تردّد:”لقد تقتُ إلى ضمّة منه… تحمّمت بزخّات عطري وتسلّلت إلى المعبد… كان يجالس العذراء حين سبقني عطري إليه، نسي أنّه في محرابها فاغترف منّي بعض شهد ونهلت عمرا من العلقم ورصاصة والدي الوحيدة تنتزعني من فيئه كتفّاحة طفقت تنتشي بدبيب الحياة فيها فقطفتها يد جائرة…”
انتحبت ليلى وهي تنثر الياسمين على القبرين
صاحت:
” ربّاه… لا ضمّة ولا شهدا نهلنا
فيءَ يمناه ظلّت يسراي سائلةً
على ضفّة الحلم أزاهير المنى رسمنا
فلا الحلمَ غنمنا… ولا اهتداء إلى قبره أنا نائلة…”
بعد أيّام فتحت باب الدّير.
أصبحت تستقبل المتعطّشين إلى صلاة في فيء العذراء، وفي غرفتها ظلّت عذراء تصلّي خمسا حتّى قضمت الأيّام ثمالة عمرها.
ذات فجر استيقظت على أجراس شوق مجنونة تبلبل روحَها، وأضحى فؤادها سعيرا وبات نبضها حميما، وطيف أيّوبَ لا يغيب عن مرايا عينيها يدعوها إليه ومنه يستدنيها.
تلظّت باستعار الشّوق، لجّ فيها توق عاصف إلى وصاله، فتحت عيناها قِرَبَ العويل، فبكت طويلا حتّى خدر جسمها المتراقص على نصال الشّوق.
فجأة هرعت إلى المشجب المهترئ تنتزع منه فستانها الذي هجرته منذ عشرين سنة، ترتديه على عجل، وتغادر الدّير مسرعة.
بعد زمن بدا لها ثقيلا ونظرات النّاس في الحافلة تنهال عليها تتوق إلى تمزيق أبراد غربتها عنهم وتعرية هويّتها وجلا وفضولا، ولجت ليلى الجامعة.
ودون أن تنتبه إلى نظرات الطّلبة المرتابين وهمهماتهم المستنكرة غرابتها وهرمَها وغربتها، توجّهت نحوالحديقة الخلفيّة.
بخطى وهنة كانت تسير، كمن يمشي على رمال متحرّكة كانت ساقاها ترتجفان، ونظراتها شرانق حنين تتهاوى إلى فيء سنديانة عجوز تخشّبت غصونها وهجرتها البلابل الشّادية بأحلام العمر الغضّ.
بلغت الفيء ولهاثها يكاد يمسي عويلا.
تهاوت على العشب الذي بات هشيما وهنة ككثيب رمل حملت عليه وابلات السّماء في عاصفة مجنونة، وعليها تهاوت جبال ذاكرتها كزبد محموم مثقل باحتراقات الرّوح.
مستندة إلى صدر سنديانتهما جلست على حافة نهر الحنين…
تأمّلت وجه السّماء المضمّخ بانتظارات الخطى…
رأته فيها متوهّجا صبّا…
فجأة تدلّى تلفّه أهداب نجمة، عاشقا يسرح في مروج شذى تراتيلها هبّ إلى تباشير صباحات مُنى تتأرجح على أجنحة الحلم…
لامست انتثارات خطاه أديمها…
انهمرسيل تراتيل الرّوح فيها يناجيه غائبا مرتحلا في دروب الصّمت مُذْ ضمّه صدر الأرض في شعاب صقيع الضفّة الأخرى…
فرّ الصّوت خارج محاجره، أينع الوجد خمائل، من كوّة الذّاكرة أطلّت بثينة وهند ونائلة وعزّة غارقات في مهاوي الغيرة يحسدن فَوح النّبض في ليلاه…
ضمّتهما صورالقصيد، تعانقا في البيت، ارتجف خافقاهما في الصّدر وأوغلا في البحر يلتفّان بين الموج في شطحات صوفيّة معتّقة…
مَدُّ البحر يشتدّ، والصّور تتزاحم على عتبات بيت يفضي إلى بيت، والعَجُز مثقل بقافية ضجّت بالتَّسآل، نادت:
أنّى من عتمة القبر يهلّ مزن الإياب
إنّي بتّ ظمآنة…
مفرغة من شهد خطاك دروبي أنا
ومن طلّ التّيم في همسك والصّدى
وفَوح الرُّوح في دربك عنّي يحجبه الضّباب…”
رنت إليه بلحظ مثقل بتراتيل عزلة وغياب، فتنتها صورته، احتضنتها، أرخت حبائل فرح إليها، واشرأبّت نحو الأفق تنسج وشاحا من زغاريد الوصال…
هفا إليها…
فتح جناحيه متلهّفا إلى ضمّة في فيء نبضه…
دنت منه…
أثملتها رائحة العود والمسك المنسكبة منه، قفزت في لُجج سيل توق جارف إلى اندساس في خفق الوريد بلا ذاكرة لمعابر الخروج…
تطايرت أسراب فَراش شوق بين شرفات العيون وستائر صمت الرّوحين المرتجفتين ولَهًا ووجلا…
قال: “أَمهجة النّبض ذبّي بوم العتاب
في رمضاء بيننا تفتّح للحرف على ثغرك زهرٌ
ورَوْحُك المعشّشُ في عتمة النّوى لنا يَنتسِج الضّياء
أطِيبَ روحي وفيءَ المنى
لك منّي في جرابات الغياب عسجدُ العمر
وفي رحم الوعد ينضرّ لقاء
وأنّاتُ نايِي تظلّ لرياح الشّوق بوصلةَ هدى…
إنّ أنّاتِ ناي العاشق دوما شدوٌ في محراب الغياب”
ضمّت السّماءُ جحافلَ دُجاها ولفّتها في شرانق السّبات…
تسلّل البدر على أطراف الغيم ناثرا قناديل الفرح في الحجرات المتلهّفة إلى تثنّيات خصور شموع وصال.
نزّت عيناه شوقا وصبرا وجمر حنين.
أمسكت يدُه الحرّى أناملَها المرتعشة مقرورةً من هطل بوح تشرّبه الصّمت.
لفّ يده الأخرى حولها وتصعّدا نحو غيمة الأمنيات..
احترقت أعواد كبريتها…
وسحبها سراب الإياب.
كانوا غير بعيدين عنها، يراقبونها بفزع، تتسارع نبضاتهم مع ارتعاشات جسدها المحموم…
تمتماتها كانت طلاسم روح ما فقهوها…
سكنهم الذّهول وهم يرنها بيمناها تحتضن يسراها وتسحبها إلى صدرها، تعانق جسدها ثمّ ترتعش رعشة الوصال الأخيرة.
علا الضّجيج…
من بينهم خرج كهل غزا مفرقه شيب، أشار إليهم أن يهدؤوا.
صاح أحدهم: “لقد ماتت سيّدي العميد…”
جالت نظراته بينهم حتّى عمّ الصّمت ثمّ قال:” كانت طالبة مثاليّة… سندفنها هنا في هذا الفيء…”، وتشرنقت عيناه على جسدها المسجّى مضمّخا بشذى الذّكرى المخبوء في رحم السّنديانة.
رآهما عمرا من عشق عذريّ يمتدّ ضياء للتّائهين في دروب الهوى.
تناهى إليه صوت صديقه القديم أيّوب:” أخي نور… لا تنسَ أن تتلوَ على روحينا تراتيل الوصال…”

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
خلسة
التالي
مجنونتي و أنا

اترك تعليقاً

*