القصة القصيرة جدا

وفاءٌ

لا أمل في النَّجدة، في هذا الظهير الصحراوي، هاتفي كتلة من الحديد الأصم، كلبي الذي لا يُفارقني مفقود، لا أدري إن كان حيّا أم ميتًا.
السماء تفتح أبوابها منذ الأمس، مطر غزير في الخارج، تصك نقراته سمعي متساقطًا على جسم السيارة المهشمة، دم يُغرق ملابسي الأنيقة، عرق يسح من كل مسامي، هل أغمي عليّ؟ ساعتي متوقفة تمامًا كذراعي الكليلة، فأنا حبيس أتون ضيق متوهج، بعد اكتساح القطار لسيارتي الرعناء، التي لم يرُق لها عصياني إلا قرب القضبان الحديدية.
أجيل بصري حولي، أتفقد محبسي الإجباري، السيارة مقلوبة على جانبها، مددت ذراعي السليمة، ناضلت حتى اقتربت من الباب، استعصى عليّ فتحه من الداخل، خلعت الوشاح الذي يدفئ عنقي، لففته على ساعدي، سددت ضربة شديدة هشمت الزجاج، تشبثت بالمقبض من الخارج، شددت يائسًا بكل ما تبقى لي من قوة، لدهشتي الشديدة انفتح الباب، تدحرجت للخارج بسعادة غامرة.
أصوات تأتي وتروح على استحياء، أضواء تسطع وتخفت، تحاملت على قدمي وذراعي السليمتين، زحفت عدة أمتار، لم أصدق عيني!
كنتُ على ربوة عالية، وتحتي على البعد عربات القطار المقلوبة، واصلتُ الزحف هبوطًا حتى التحمت بهم، تصاعدت أنَّات الجرحى وصرخات المصابين، من جديد تلوح أضواء على البعد، تصحبها (سارينات) سيارات الشرطة والإسعاف، المحفات تبدأ في نقل الجرحى، من العبارات المبتورة فهمت أنَّ الأمطار الغزيرة فككت مسامير الفلنكات، فخرج القطار عن مساره.
ها هو كلبي المحبوب يقترب، يتخطاني، يقفز داخل إحدى العربات، يخرج ويدخل مرات وهو ينبح عاليًا، يخف المسعفون إليه، يخرجون شابًّا مصابًا بكسور في قدميه، يتمسح به الكلب في حنو، يبصبص بذنبه، يضمه الفتى إليه بشدة وعيناه تدمعان، ناديت الكلب فتجاهلني ثانية، تنهدت في استياء، كنت قد أجبرتُ الفتى على التنازل عن كلبه من شهرين، مقابل مبلغ مالي، هو في أشد الحاجة إليه لعلاج أمه المريضة.

السابق
ذيول
التالي
متيم

اترك تعليقاً

*