القصة القصيرة جدا

وفاء

انتظرت هذه اللّيلة أمدا..كم طال النّوى..!
زعزع الشّوق عظامي المتناثرة بعضها ينكر بعضا. أطلّ البدر .طفقت أعدّ شهقاته. بيني وبين الغرغرة الأخيرة خفقتان وخفقة..
لملمت سرابيل الحنين وانسللت أسبح في الفضاء خيطا من نور تخطّه رياح الوله..
أنا لا أخطىء الطّريق إلى الدّار.. سحبتني إليها نداءات الأضواء المزهرة وشدو الحديقة المثقلة بمذاقات الحياة..
زيتونتنا التي غرسناها ذات وفادة البكر تستقبلني بتراتيل الفقد وأهازيج الحلول.. يسبق نبضي خطواتي.. أصغي.. لا صوت.
أطلّ من كوّة المدخنة.. تغرق ذاكرتي في عبق أصوات ألفتها دهرا.. جدّتي تروي حكايا السّندباد، وأمّي تُسرّ لأبي بعشقها لفستان بنت السّلطان فيلج بلاطات الرّوح بحثا عن صولجان ، وضحكاته تتحسّس طريقها إلى قلاع الأفق بلا صدى خلسة عن عيني جدّتي.. وأنا هناك ..بين المدفأة وحضن أمّي، أتمدّد، أعتلي صهوة مهر الحلم..وأنت.. هناك.. في غدي تتربّعين..
تصمّ سمعي تأوّهات المدخنة تشرق بالرّماد. يلفحني هواء بارد يعشّش في الدّار. لا أصوات…
أستلّ جسدي الهلاميّ من المدخنة.. عاريا أجول في بيتنا، بيت والدي الذي ورثه عن جدّي الذي لا أفهم كيف يبنيه وسكنه المقبرة.. أدفع باب غرفتنا.. تغمز لي تلك الوسادة التي تشاطرنا أنفاسها. أتهاوى صبّا..
أتمدّد على فراشنا. أمدّ ذراعي. أتذكرين حبيبتي المخاتلة..؟ قبل الكرى تتوسّدينها وحين أستفيق صباحا أُلفيك تتكوّرين في حضني كعصفور أجفله قرّ.. تندّ عني آهات بشذى الصّبر.
أنتظرك.. أسمع صرير الباب.. ينتفض وريدي.. تعلو جلبة الصّغار .. تصرخين زاجرة كما ألفتك.. يتناثرون إلى غرفهم يردّدون حكايا عيد يهلّ ولا أتذوّق فيه منك شهد الابتسامة..
يتناهى إليّ صوت تنهّداتك.. أراك تلجين.. ترمين الفراش بنظرات متعبة.. أتراك تشتمّين فيه رسائل وجدي التي نثرتها منذ حين..؟ على ذات الوسادة ترتمين.. تضجّين بالأصوات القادمة من محطّات الغياب.. ترمين الوسادة.
يرنّ هاتفك. تستمعين ، نستمع إلى همسات وهمهمات .. أرتجف.. لا تنبسين بحرف.. يعلو الصّوت :” متى ترفقين..؟” تغلقين الهاتف. تعزلينه عن الشّبكة. تطرحك الزّفرات.. تردّدين:” سنديانتي لا ينضب فيؤها في الوريد..” أبتسم.
تعيدين الوسادة.. فوق ذراعي تضعينها. تنشغلين بأمر. أعدّلها.. تستلقين.. أشعر بدمعة حارّة تنسكب على ذراعي.. أضمّك.. أثمل بعطر الوصال..
يدقّ اللّيل أجراس الرّحيل.. أنسحب كرها.. أراك ترتعدين.. تتكوّرين تحت اللّحاف.. تتأفّفين :”من أين هبّ هذا الصّقيع..؟”أقبّل العمر فيك وأرحل.
أشرق بدعوات ضمّة في النّعيم.

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
بناء الرأي العام في نص “توأم الذاكرة”
التالي
قراءة نقدية في نص “وفاء”

اترك تعليقاً

*