القصة القصيرة

وفي دار البريد

….رحلت أجر أعصابا متصارعة،عصرتها في غير طائل،وأنا أربأ بنفسي عن سفائس الأمور،شفوقاعلى هؤلاء البؤساء ضحية الجشع والابتزاز..
كلما هممت بسحب رصيدي أرحل بعيدا وقلبي ينشطر حزنا،ارحل عن بريد فيه عون ظاهرة موشوم بخبث السريرة والسلوك الأرعن، رويجل تجذر فيه الطمع دم يغلي في الشريان،إن رآك تحك جلدك مال نحوك غرابا، الرشوة ثوبا يلبسها ودينا يترجاه،دخل الوظيفة متسللا عبر أنفاقها ليجلس تحت أجنحة الظلال كلاعب نرد،ما إن تلج دار البريد حتى تراه تيسا، تتأذى بصوته مأمأة ،والغبار يستر عورته،
ضفدع يلتهم الذباب والصراصير والنمل وابتسامات اليتامى وتنهيدات القواعد من النساء، وجه مكلثم تقشعر الأجساد من قبح أفعاله..فض غليظ القلب، مشورب كأنه قادم من أدغال الحبشة و من سلالة أبرهة الأشرم،تنم نظراته العابثة عن خبث دفين، يرمونه بعظمة الموائد ليكفيهم أتعاب الوقوف في الطوابير،ذبابة إسطبل مزعجة، ولا أحد هنا يسعى إلى وضع حد لهذه القوارض المفسدة، قصته في المدينة تلوكها الألسن ولم تكتب بعد،عنوانها اللعب بالمشاعر وقتل الأمنيات. 02 – وضعت آلامي شلالا على ظهري وأرحت نفسي من أسئلة حائرة تعج بها الطوابير ظنونا،تركت وجهي تصفعه الكلمات النابية، ازهد في الركلات التي تصل جسدي و أتجاهل نزيف الصخر،فلا وقت هنا للتأسف،فأنت تحتاط لكل شيء حتى لأحلامك المبعثرة،تلملم غضبك حقائب، وتحتسي أوجاعك ثائرا..ولك أن تلتهم الوقت فالآهات منتحرة، فأمثال هذا البرذون كثر،وأنصارهم يتربّصون، خليط من بقايا طينة ملوثة،من حمئة مسنون، معجونة بصلف العهر والفساد، زهاء الساعة وهو يقلب بطاقتي ويسألني،الشيخ هذه البطاقة لك ؟ أجل.. مااسمك ؟ أين قسيمة الصك،انتظر،انتظروا الدراهم موجودة، الحاسوب ..آه..الحرارة ..شبكة الاتصال..انتظروا الدراهم غير موجودة..يستوي واقفا..يستلم حزمة من البطاقات خفية يرسلها في أكياس سوداء عبر الأيادي القذرة ..يصرخ بصوت جهير،تفسحوا في المجلس،الشيخ هذه بطاقتك،أجل.. اسمك.. انتظر،والناس هنا قد خلعوا عليه جبة التعالي فطفق يسألهم أسئلة حارقة ،و أملق.. فعيل صبري ونفدت حيلتي وهبّت زوابع راعدة تلفني، تلاها إعصار ماطر، تمايلت أغصان الأشجار وأظلم الكون في وجهي، لما أمسك القلم وأخذ يشطب على الصك، لايمكن أن تأخذ أكثر من مليون هذا هو القانون، امتدت أصابعي مرتجفة، أتنحى عن مكاني متزحزحا، تبرز مخالبي كليث جسور يتأهّب لضرب جرو ذئاب جائع ..سألته بلطف وحشد الكلمات يتناثر زوابع، لم شطبت الصك ياهذا؟القانون..رجاء..قلت له مستوضحا لم شطبت الصك؟يقوم واقفا..يرسل نظراته نحوي متجاهلا يصرخ..القانون..القانون ..يضع القلم حذو أذنه، يهرع إلى خزانة فولاذية..يفتحها..يخرج رزمة أوراق .. تنفرج شفتاه على رذاذ من الحروف لامعنى لها،إليك صك احتياطي..لاتغضب..انتم لاتفهمون..نحن في الخدمة..أنا لاأفهم فماذا افعل بهذا الصك يابرذون؟ اجبني عن سؤالي بلطف هداك الله والاكان لك معي شأن عظيم..يلتفت نحوي في تباطئي،يرسل نظرة طويلة يستفزني..أصرخ في غضب محموم ..ليس لدي وقت لتشرح لي قبح أفعالك وحماقة تصرفك..اقبل المستوفي يخطب ودي..ويهدئ من روعي ..متوسلا إصلاح ما افسد هذا الأحمق..لعله لم يتعمد إزعاجك وإنما..أريد أن أعرف ماتعنيه عندكم إنما، ولعلّ ولكنّ..ولطالما انه أحمق فلماذا يوضع في الواجهة ؟ اقبل رجل من أقصى البهو يتصف بصيفات كلبيّة حقيرة يحثني على السكوت وينصحني بما يشبه الهمس{ادهن السير يسير..} خسئت وخاب مسعاك..لست دهّانا ولاشيّاتا ولا من كلاب الصيد المسعورة..وبحركة لاشعوريّة مزّقت الصك ولمت الذين يهزون الرؤوس إلى الإمام لغيروجه الله،ولا يقيمون وزنا للمشاعر، قد تطاولت أعناقهم من حولي وهم صوت كحفيف الأوراق الذابلة تحرّكها الريّاح مع غبار السوق، رحلت أجر أعصابا متصارعة،عصرتها في غير طائل،وأنا أربأ بنفسي عن سفائس الأمور،شفوقاعلى هؤلاء البؤساء ضحية الجشع والابتزاز.. 03- وما هي إلا أيام معدودات وإذا بالباب يطرق طرقا خفيفا في ظلمة الليل فأجد نفسي أمام رجل طويل القامة شارد الذهن تسير خلفه سيدة منكسة الرأس تجر أطفالها، شهقاتها متتالية، يقول وبصوت ذليل: هم أولادكم..من هم ؟ وأشاح بوجهه نحو العيّال،فقلت وأنا فزع : مرحبا..ماشأنكم؟ فأخذ يقصّ القصّة وجبينه يتصبّب عرقا، ترفع السيّدة صوتا بائسا: ذاك الذي تخاصم معك ..من هو ؟ الذي بلغت عنه؟.لم افهم شيئا..ولم أبلغ ضد ّأحد..قالت متنهّدة والعين دامعة :إن زوجها متورّط ..من هو زوجها؟المستوفي أخذوه إلى السجن، هو مظلوم ..مظلوم، خدعه ذاك العربيد المتخفي وراء الحاسوب، دمّر بيتها وشرّد أطفالها..كانت تعتقد وهي مصرّة على ذلك بأني بلغت عنهم..وأنا مابلغت على أحد،ولست طرفا فيما حدث..فجأة أحسّ بحركة غير عادية في الشارع..أدركت أن الحيّ كله يتحوّل نحوي في مسيرة تضامنيّة تشبه الإدانة،ويضربون طوقا حولي،حوصرت كما حوصرت غزة ظلما وعدوانا،ووضعت في قفص الاتهام وبدون تهمة كصدّام العراق، صرت أتصفح الوجوه المتغضنة، ارتعب مما رأيت والمشهد مثير مفزع بالظنون، اعتليت الرصيف منصتا بعد أن رشقوني بالكلمات الطائشة،فألوّح بكلتا يدي اقبّل أطراف أصابعي، وأنا الحجّاج ابن يوسف أعظ واهدد وأتوعّد وألين والرؤوس قد أينعت، فأعدهم وأمنيهم وما أعدهم الاسرابا، أبحث عن مخرج لأزمتي فلم أجد إلا إصرار القوم وتهافتهم، حاولت ترتيب ذاتي وأنا البهلول لأمتصّ غضب الإنتماء، فهذه القبيلة تحتكر البريد، وتلك تسمى البلدية باسمها،كيما نحتكر نحن آل بيت داسه التربيّة والإمامة، وآخرون الصّحة والفلاحة،والبعض الآخر احتكر الدفّ والزرنةّ والرقص..وآخرون المدح والشيتة.. بعد جهد جهيد أقنعتهم بأن نلتقي الصبح، لنقوم بتنظيم مسيرة حاشدة نحرق خلالها بعض العجلات و نقرأ رسالة تنديد بصوت جهور..
التزموا الصّمت ولاذوا بالانصراف، والدهماء من العامّة كالهشيم المنطوي على ذاته، إن أوقدت فيه النار اشتعل،وان أطفأتها كانت بردا وسلاما،اقترب مني شخص عليه علامات الهدوء والخبث فهمس: افتضح أمرهم إنهم أناس متورّطون في اختلاسات رهيبة،استدركت الأمر أن القوم يدفعهم الفضول وحب الاستطلاع ..جاء الكبار بيتنا عشاء،بوجوه متعبة شحوب، قد علت استغاثتهم متودّدين..فمالي أراهم مرتاعين؟ضبابيّة المشهد أوقعتني في حيص وبيص،جعلتني لاأفقه في الأمر شيئا،أحس برعشة تسري في أوصالي،أفهم ولا أفهم شيئا، استلموا الودائع ليعيدوها ،وللكبار يد مضرجة بالسّحت..انبؤوني ماذا أخذتم؟ أرى في رعشة العيون فزع ،يحاصرهم ،قبلت أن أكون سمسارا، لكن مع من ؟ وكيف؟ لقد استدرجوا الأعوان بخبث واستأثروا بالودائع وما احتوت الخزائن الفولاذية من مال عمومي ثم أداروا الظهر عندما داهمتهم عواصف الفضيحة، أمر دبر بليل أرخى ظلمته على عمال البريد في مدينتنا المريّفة ولفـّهم بأحزانه؟وخلف أسئلة المجهول واستفهاما ت رجال الأعمال والخردوات والمقاولين،لملمت سرّ كلماتي ممتنعا، أتلصّص على منابت الصّمت في أطراف المدينة..آه..فعلها الكبار وتورّط أهل الدّار..أوقد نارها ذاك العربيد..وأساء إلى الطيّبين من عمّال البريد.. ليبقى الكبار فزعين يحاصرهم الخوف وسوء الطالع.. إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا…..

السابق
حكامة…
التالي
عقيدة البنادق

اترك تعليقاً

*