القصة القصيرة

وليمة

هبط الأعمى وهو يقسمُ؛ ألا يقوم من قبلِ السؤال عن مذبوح الوليمة!
ارتخىَ على باب الجامع؛ يتحسسُ الأرض، وهو يقول: بالأمس كان علينا أن نسأل!
ردَّ الأعرجُ وهو يمدّدُ ساقه؛ ليريحها: صدقت.
أمّا صاحبُ الظهرِ المنحني فقد شرع يخطُّ مربعات التراب، وهو يقول: كرهتُ لحمَ دجاج الجنازات.
قال الأعمى: انظروا ترنحَ الأولاد!
ثمَّ أكمل مثل حكيمٍ: أليسوا أبناءَ بيئتِهم، وطعامهم يشكلُهم؟
ردَّ الأعرج: هه … ها نحن يشكّلُنا العَلَفً المُصَنّع!
لحظاتٍ وعلا الصياح، كان الأعمى يقتحمُ المربعات بحصاه، ويهزأُ ساخرا، وهو يًنّحِي حَصَى الأعرج جانبا، والأخيرُ يتوَّعده، فيرتفعُ صوتُ الأعمى ممطوطًا: العب يا غشيم!
أمَّا أبو الظهرٍ المنحني؛ فكان يقهقه مستلقيًّا، وهو يزيحُ بكمِّه لعابَه!
استفاق الثلاثة فجأةً على نبوت فارسٍ، وحصاهم تتناثر مع التراب، وقف فارسٌ لعيونِهم الشاخصة صامتا؛ إلى أن همس: ماتت أمّي!
ثمَّ صاح: قوموا، اتلوا، ثمَّ ادعوا!
نهضوا بجَهدٍ، ليجرُّوا أجسادهم، ولمَّا قاربوا عربةَ البغل؛ شرع فارسٌ يرفعهم واحدا إثر الآخر مثل جوالات تبنٍ، ويلقي بهم إلى مسطح العربة، ولمَّا انتهى؛ قفز، وهو يلكزُ مؤخرة البغل بنبوتِه، فهرولتِ العربةُ، وهم على خشبِها مُلقوَن مثل جثثٍ مترنحة!
في صحن بيتِه؛ رفع نبوته، وقال: هنا .. أقعدوا، واقرؤوا.
ارتموا متلاصقين، ثمَّ شرعوا كفريقٍ أصابه النحسُ؛ يتلون الآياتِ بصوتٍ أجشٍّ موزون، أمّا فارس فكان قد افترش حصيرةً قبالتهم، في تارةٍ يرقبُهم، وفي أخرى يرفع كفَّيه إلى السماء، واستمر الحال على هذا، كلمّا همّوا بالتريث، صاح هو: اقرؤوا، فيعودون للتلاوة مذعورين، إلى أن هبَّ فارسٌ، فرفع نبوته، ثمَّ هزّه، كمن ينهي طقس عبور أمّه إلى الجنَّة، ثمّ غادرهم عابرا قلب الدار، ففركوا الأكفَّ، وأطلقوا التنهيدات، وأمعاؤهم بدأت تحلمُ بالمائدة القادمة، وألسنةُ عقولِهم تردّدُ: ضأنٌ .. أم .. عجل .. حتى عاد الرجل بقدرٍ، أنزله بين سيقانهم، وهو يقولُ بصوتٍ خفيض: كلُوا.
تقاربوا من بخار الوعاء، ثمَّ تراجعوا، فدقَّ فارسُ الأرض بنبوتِه، وهو يصيحُ: كُلوا.
ارتعشت بطون أكفهم، وساد صمتٌ، قطعه الأعمى بصوتٍ يشبه ضربةَ سكين: قمح مجروش!
ثم عاد: قمحٌ فقط .. مطبوخٌ بمرقٍ مصانع اليهود!
ولمّا همّ فارسٌ بالقيام؛ تسارعت أذرعُ الأعرج، وأبي الظهرٍ المنحنٍي إلى القدر … وكان الأعرجُ يوشوشُ الأعمى: كلْ .. يحركُ نبوتَه!
صارت الأكفُّ تغرفُ، والعيونُ تدمع، وحتى عينا فارسٍ، كانتا تدمعان؛ وهو يرفعُ كفيه مع شفتيه إلى السماء، ويتمتم:
اللهمَّ تقبل.

كاتب قصّة فلسطيني .. يقيم في غزة

السابق
الواقع
التالي
فراعنةٌ

اترك تعليقاً

*