القصة القصيرة

ولَوْ

..اعرف انه ضعيف البصر. لهذا لم اجادله طويلا، حول الذي هناك : اهو غراب ام عنزة..! انا الذي لايعنيني ماهناك بقدر ما هنا.! طرتُ..وتركته يصيح وراء جناحي، ولو طرتَ انت..عنزةٌ..
– عنزة، عنزة، عنزة..!
تركته يخبط الارض باصرار كاصرار طوبة على منحدر، وحلقتُ..
وودتُ لو استطيع النفاذ من الغلاف الجوي..والضياع عميقا في ارجاء كون لايُحَدّ..لا احتاج قبرا.ولأَنتهي جثة نيزك، افضل من ان اعود الى ارض تطير عنزاتها، ولايطير الغراب..!
لكن، ما من بُد سوى ان احط، من جديد.. ان استسلم لثقل الجاذبية المتجمد بين ريش الجناح كالصقيع، واعود الى الارض من جديد..حينها لايهم اهي عنزة، او انت، او لاشيء..! اذا قالوا لاشيء حط، فلاشيء ولو كان حجرا..! القول عين تبصر من العين..وانت ما قال القول فيك، انت رموش تنسدل..اما القول فجاحظ ابدا، بلارموش..! ألَم تسمعهم يقولون :” العين حرامية”.!؟ فحُط..ولاتنحط..! لايهم أكنتُ انا، او انت، او اي شيء..إنها، دائما، عنزة ولو حطت، بعد ان طارت..!
لا استطيع الهروب منهم..إذ كيف يهرب الفرع من غصنه، والغصن من جذعه..!؟ ولا استطيع إلا ان ارى ما ارى، لا ماتقوله ابصارهم..فاقول، عادة، لا انا راءٍ ما ترون، ولا انتم راؤون ما ارى، لكم عينكم ولي عين، ونعم المفترق..وامضي، وحيدا، اطير كعنزة..!
لكن هذه المرة ماكان لي ان امضي..ماكان لي ان اقول : ولو..واطير كعنزة..القرية خالية، الابواب موصدة، النوافذ مقفلة، كأنه الليل في الغسق، وما هو بليل..؟
طرقتُ باب البيت، وانتظرت..ثم كررت الطرق..خرج ابي دون ان يحكم شد عمامته على رأسه، وفي يده مصباح..صعقتُ، وقلت بدهشة :
– الشمس مشرقة وانت، يا ابي، تشعل المصباح كما في الظلام..!؟
– مرة اخرى، ايها المسخوط، تأتي سكرانا، لاتميز ليلا من نهار..! قسما ما انت بداخلٍ داري..!
قالها بغضب وحسم، ثم اغلق الباب بعنف..قلتُ، بيأس : ولو..ومشيت..!
توقفت عند باب به زر، وضغطت عليه..كنت اعرف صاحبه. ولم اكن اعرف كيف سيكون شكل رده.لما سألته، حين فتح الباب، بعين نصف مغمضة وبيجامة نوم، عن الوقت اهو نهار ام ليل.؟
فرد ببرود متملص :
– انا لست من هنا..!
– اعرفك، وتعرفني..وتقول انك لست من هنا..!! رردتُ مندهشا..اغلق الباب بضيق، وصاح من الداخل :
– ولو…
استبد بي الغضب، وطرت كعنزة.. الى الصومعة..شغلتُ مكبر الصوت، وبدأت اصيح..! خرج الفقيه مذعورا، حافي القدمين، عاري الراس، وفي يده مصباح.. وبعد ان لعنني؛ إلتقط حجرا. بسمل، وقذفني..اصاب راسي، فسقطت عن الصومعة، وغاب عني الوعي..
لما افقتُ، وجدتهم حولي، كقوم حول نار.على جباههم ثبتت مصابيح كمصابيح عمال المناجم..وانا مصلوب الى جدار، في ساحة تلفحها الشمس وتمسحها الريح..! كان ضوء مصابيحهم يتجمع في عيني، ويختلط بضوء الشمس، ولا اعود اميز سوى اصبعين كمخلبين يمتدان الى عيني، وصوت حقود يزمجر :
– أهي عنزة ام غراب..!؟
كنت اترفع عن مصابيحهم، واحاول النظر الى الشمس الساطعة..ربما كانت رؤوسهم ترتفع مع ارتفاع راسي الى الاعلى، لم أر، لان مصابيحهم كانت تحجبهم..وقلت، بلاتردد :
– إنه النهار..إنها مشرقة..!
انغرز الاصبعان في عيني، وصحت : ولو..ثم غبتُ في الالم، عن الالم..وعنهم..!
لم ادرك كم غبت من زمن، عندما استعدت وعيي مرة اخرى، تلمستُ محجري..فقال الصوت الحقود ملتذا :
– أهي عنزة وطارت..ام…!؟
رددت بحزم، بعد ان سملوا عيني :
– ومع ذلك فهي مشرقة..!
سمعت صوتا كصوت سيف يستل من غمده..وقبل ان يدرك راسي انه انفصل تماما عن جسدي؛ سمعت صوتا هستيريا يصيح :
– ولو اشرقت..فانها عنزة سوداء لاتضيء..!.

السابق
شقاء
التالي
نصٌّ مُشَكَّلٌ

اترك تعليقاً

*