القصة القصيرة

وهم

تحسّس ورقة اليناصيب في جيبه ليتأكد أنها لازالت حيث وضعها، لامستها أصابعه ليميّزها عن باقي الاوراق في غياهب جيب بنطاله. ساوره الشّك في حاسة لمسه، فأخرجها وقد انقبض قلبه من فكرة اختفاءها،،تحقّق من التّاريخ والأرقام، ثم وضعها في جيب آخر وحدها وأحكم تثبيثها به.
نظر لساعته، بدت له عقاربها لا تتحرّك، الوقت يمر ببطئ شديد.. في المقهى، تأكّد تفصله عن الثروة والسعادة يومين ليثبت لرفاقه أنه ليس فاشلا، وتخطب بنت الجيران ودّه ويردّها خائبة، أخيرا سوف يستريح والده من مزاولة أعمال البناء الشاقة ويذهب في رحلة حجّ كباقي سكّان الحي. تذكّر والدته على فراش الموت وتذكّر نظرة العجز في عينيّ أبيه، دعى لها بالرّحمة وفكّر أن آخر عمل لوالده قبل الاعتزال سيكون بناء قبر يليق بها.
أخرجه من تفكيره صديقه الوحيد بعد أن قاطعه كل الاصدقاء،بابتسامة عريضة أخبره أن المدير وافق على عودته للعمل.. وأن المناسبة تستحق الاحتفال، لكنّه لم يهتم للخبر.. وتحسّس الورقة في جيبه وابتسم ابتسامة ماكرة.
في طريق العودة إلى البيت كانت عيناه لا تبصر سوى الأرقام ، أرقام السيّارات والمنازل، رأى النّاس بعددهم والمنازل بعدد طوابقها ، استحال عقله الى آلة لفك رموز الحساب، وكان في كل مرّة يتحسّس جيبه ليطمئن على كنزه الصّغير.
استلقى على فراشه بعد أن أعياه قتل الوقت الذي لا يمرّ، تذكّر ماضيه، انتظاره لقدوم الثّروة طويلا جرّده من الاحساس بمن حوله فعاش وحيدا، لا يذكر أنه أجرى يوما حديثا مع والده، لم يخبره أنه يحبّه… لم يعرف سرّ انطواء أخيه الصّغير على نفسه ولا أوصل أخته يوما لباب المدرسة .لم يستجب لتلميحات نادلة المقهى بحبّها له، يعيش وحيدا في انتظار عصاه السحرية ليسعد الجميع بضربة منها، لم يعرف أن السّعادة لا تشترى بمال. أهمل عمله كما أهمل دراسته من قبل، عاش في عزلة تامّة في سجن اخترعته أوهامه، رأى في كل الناس أعداء سيقوّضهم عند قدوم ثروته، بل سيعاقب بها كل الذين تجرؤوا ولم يؤمنوا به. أخرج الورقة من جيبه مرة أخيرة، تحقّق من الأرقام وتمعن في تسلسلها، شيء ما بداخله أنبأه ان التّركيبة هذه المرة لن تخطئ، إحساس غريب لم يستطع تفسيره فآمن به بكل جوارحه. أعاد الورقة إلى جيب سترته ووضعها إلى جانبه وخلد لنوم عميق.
أصوات الجيران ترتفع، اختلط الصّراخ بالعويل والبكاء.. ألقى بنظره من النافذة، ألسنة النّار تلتهم البناية المجاورة.. نسوة بنصف لباسهن، تصرخ إحداهن لنجدة طفلتها.. لم يتردّد لحظة فدخل من شرفته إلى الشرفة المجاورة، لم يعبئ بألسنة النّار احتمى بسترته واختفى وسطها، يهلّل الحاضرون باللطيف، غاب لحظة ثم ظهر يحمل الطفلة بين ذراعيه، قفز إلى شرفته من جديد، كانت غرفته قد امتلأت بالحاضرين. تلقّفوه وتلقّفوها.. حروق بدراعيه ووجهه. انتشرت الندوب عبر جسده… في غمرة الاحتفاء ببطولته تذكّر السّترة والورقة، اعترته نوبة هستيرية من الصراخ لم يفقه الحاضرون لها سببا..
في صباح الغد، غادر بيته باكرا ليلتقي صديقه، في الطريق كان يحييه هذا ويصافحه ذاك، توقّف أمام محل اليناصيب، كانت نتيجة السّحب غير مطابقة لتوقّعاته.. لم يهنم كثيرا فإنقاد الطفلة قد أعاده للحياة.

السابق
رفقة ملتهبة
التالي
قبلةُ أم علي

اترك تعليقاً

*