القصة القصيرة

وهوى النرجس

التقيته وكان آخر عهد لي به أواخر القرن الماضي, شخصية محببة للجميع يحسن التحدث , جلسنا في مقهى اعتدت أن ألتقي فيه ببعض المبدعين والمفكرين والشعراء من أبناء بلدتي ,كان يتحدث عن رسالته الجامعية ..في الحقيقة غاب عني أن أساله متى تحصل على شهادة البكالوريا ومتى درس في الجامعة ومتى نجح في الماجستير ولكن بي شوق أن أعرف أخبار مدينتي وأن أتنسم شقاوة طفولتي وأن أحلق عبره في أزقتها..راودني سؤال وأنا أنظر إليه أو ربما هو مجرد مرآة انعكس فيها ظلي النحيف وأنا أتنزه في المدينة التي فيها كبرت وفيها درست وفيها تعرفت عليه وعلى الكثيرين..يقاطعنا عامل المقهى وهو يمرر كأس الشاي الكبيرة نحوي وقهوته السوداء جدا ..يداه ترتعشان ينظر نحوي خلسة كأنه يراقبني كيف أصبحت مسترقا النظر نحوي..هو يبدو أحسن حال مني أمرد منذ أن عرفته بقامته المتوسطة ..لا يمكن أن أخفي طلاوة كلامه وحلاوة قصصه فهو مقنع جدا..أنظر في عينيه إحساس بالحزن وبالتكبر وأكثر من هذا بالحسد..هو حدس صوفي ورثته عن أبي يكلم الواقف أمامه فيستقرئ سريرته رغم كل الأقنعة والماكياج المسلط على الخلجات والكلمات..يستمع مبتسما ابتسامة الواثق وكأنه يقول أنا آلة سكانير لا يمكن إلا أن تتعرى دواخلك أمامي..
يرن الهاتف ,يحمله ويكلم فتاة ما ويبتسم يرتفع صوته قليلا وأنا أبتسم وصلت الرسالة يا دون خوان ..يقهقه ثم يقفل الخط ويعود مجددا يحدثني بسرعة وأنا أومئ فقط ..أحيانا أريد أن أقاطعه ولكن بدا لي مسكينا ,تراكمات تتهاطل ,يحدثني عن بيته الذي اشتراها وسط المدينة وعن بستانه وعن تلك الوليمة التي دعا لها الدكاترة وبعض مسؤولي المدينة , كنت أحاول أن أسأله عن صديقنا “س” الشاعر وعن جارنا الفنان ,لم يترك لي مجالا واحدا , تملكني إحساس أنه يتهرب بل يجري بسرعة خيالية نحو مواضيع لم تكن تهمني فكل يوم تصادفني وتعرقل مسيرتي..
دخل صديق ناقد وأستاذ جامعي سلم علي وصافحني شاكرا على القصيدة التي كتبتها مؤخرا في مدح مدينتي, حدثني مزهوا وهو يشاركني الحنين مثيرا بفخر تلك اللمحة الإبداعية وتشكل الصورة وتلك اللمسة السحرية التي تتزين بها أعمالي …التفت فجأة دون سابق إنذار فإذا به يرمقنا بنظرة ذات شرر لم تتغير مذ كنا نلعب للفريق البلدي ,نظرة كانت تؤلمني وأكرهه من أجلها والآن أحس بالشفقة عليه..غادر صديقي وتركني أعود لأسأل عن مدينتي وقبل أن أكمل راح يحدثني عن ابن عمه..سألني
-أتذكره ؟!

نعم أذكره جيدا..
كنا نسميه سابقا الزرافة لطول قامته, كان يبدو عليه نوع من الانطواء أو الخوف من أن يتكلم أو يخطئ يتبع ظلنا أينما ذهبنا . مرة تبعنا لصيد اليرابيع والوقت صيف فأصيب بالإغماء ,حملناه حتى ينبوع ماء ووضعنا قطعة قماش مبللة على رأسه وسقيناه الماء حتى استفاق..
لماذا يذكرني به؟؟؟؟؟؟!!
وأردف كمن يواصل بتباه
-ابن عمي تثقف كثيرا ..ذهب بعيدا
فرحت جدا لأنني كنت أنتظر هكذا مواضيع فمدينتي ولاّدة وأهلها مبدعون بالفطرة ورحت استمع وأنا كلي زهو وفخر بابن عمه..وقاطعته في حرقة
-كم ساعة يقرأ ابن عمك ؟؟!! وماذا يقرأ ؟!الأدب أم الفلسفة أم ثقافة عامة؟؟؟؟؟؟؟!أم العلوم؟؟؟؟؟!!
نظر إلي باستهزاء وباستصغار حتى أحسستني قلت كلاما شاذا ..وصفر ملوحا بيديه
إإإإإإإإإيه أكثر من هذا ..أين تعيش يا صاح؟؟!!
سمعته صدى بعيدا أعادني لرحلتنا داخل تلك المغارة ولولا الخوف الطفولي لكنا عرفناها جيدا.. في هذه اللحظة عدت لنص لي كتبته سابقا ورحت أتهجاه في أعماقي متوحدا مع أوتار عود الفنان “عله” ال تملؤ المقهى..
“في غيابات العالم السفلي تهادت ألحان أوريدس تناغي قيثارة أورفيوس وهي وحيدة..
صعد البحر راقصا قمة أبوللو باحثا عن جثة تمددت ..
كانت الباخيات يبصقن على الجثة..مرت الأفعى
أصدرت حفيفا أقرب للتوسل
هربن للنهر يغسلن جرح الدم..فار التنور حاملا بقايا الجريمة..
عزفت الأفعى لحنا أخيرا قبل أن تلقي بالقيثارة في المياه الغاضبة..”
رمقني بنظرة أشبه بنظرة غريب أو أمِّيّ يواجه الكلمات, وراح يكمل خوفا من أن يترك لي مجالا فأسوقه لمحراب أفكاري وكتاباتي ,ليس بالخب ,نباهة وفراسة ولكن في غير موقعها….
-…….قلت هرب كثيرا أكثر من القراءة وهذه الترهات
وهو يكلمني أخرجت قلمي وكناشي وأكملت ما كان ينقص ذاك النص ,دون علمي بالعلاقة بينه وبين حكاية صاحبي ولكن هو أوحى لي وأنا هنا عليَّ اعتقال المعني وسجنه داخل بياض كناشي وعلي أن أنهي ذاك النص المتسلل ذات ليلة والذي أبى أن يتنازل بسهولة ويقبل نهاية مرضية وبسرعة رحت أقرأ وأسمع لصديقي..
كلمات صديقي كانت أسرع ولم أحدد الوقت بينهما..
-ابن عمي يتابع الفورميلا 1 …
تنهد و به حسرة غطت على كبريائه..
أرأيت أين وصل ؟؟؟؟؟؟!! هرب فعلا

لم أره حين غادر, لعلي سمعته أو لم أسمعه ولكن هبت رياح ما في داخلي وتحركت رمال حيرة ما , وباهت كان صوتي وأنا أنادي عامل المقهى , أسلمه حق المشروبات ..يعيد إلي حق القهوة
-صديقيك أعطانا حق قهوته السوداء
عرق بارد تصبب من جبيني..طبول بعيدة قرعت في داخلي ..لم أسمع غير صهيل قلمي وهو يكمل ذاك النص اليتيم ….

“تَمَلَّى دوريان غراي وجْهه ..تلمَّسَهُ يبحث عن التجاعيد..
تَأمَّلَ زهرة النرجس..همَسَ لها
– أنا أجمل من نارسيسوس..
شبابي أزلي وغوايتي لا تبتلعها أي بحيرة..
هبَّتْ رياح قوية..سقط غلاف اللوحة وانعكس الوجه في المرآة..صرخ فهوى النرجس في صمت.”

السابق
شهيدة
التالي
البخيت والشيخ والتومة بت حاج الأمين

اترك تعليقاً

*