القصة القصيرة جدا

وَجْهِيَ البَشِعُ..

منذ نحو عام وأنا أنظر في مرآتي كل صباح، وأحدث نفسي بشتى الأحاديث والأفكار والرؤى، وأراها تزداد قتامةً وغَباشًا، رغم أني أمسحها وأنظفها كل أسبوع على الأقل.اليومَ، مثلًا، رأيت عليها نُدوبًا سوداءَ، وأخرى بُنّيّةً داكنةً، تمامًا كصدأ الحديد، وتساءلت: كيف تصيبها هذي الندوب؟ وكيف يتشوّه هذا الوجه الصقيل الأسيل؟!قد يلمح أحدنا ملامح الكِبَر في وجهه، وتقدُّم العمر، وتلك التجاعيد التي تغزوه، لكنه لا يلمح تلك الندوب والبقع التي تطفو على نفسه ووجهه، ولا يراها إلا بمرآة عتيقة، كَسَتْ وجهَها ما كسى وجهه منها.اليومَ قررتُ أن أستبدل مرآتي بأخرى أكثر نعومةً وصقلًا ولمعانًا، ولكني قبل ذلك حدّثت نفسي بأن أمسحها للمرة الأخيرة، وسأستخدم لذلك موادَّ منظِّفةً قوية التأثير، ورششتها بكثرة حتى أغرقتها، وأخذت أمسح بلطف حينًا وبقوّة حينًا، حتى كلّت يدي، فالتقطت أنفاسي، ونظرت إلى المرآة فإذا هي ملساء نظيفة، لا عِوَجَ فيها ولا أمتًا. ولكني نظرت إلى وجهي لأكتشف كم هو بَشِعٌ ما فيها!المرآة المسكينة لم تكن متّسخة أبدًا، ولم يكن بها ندوب او حزوز أو صدأ؛ كلّ ذلك كان في وجهي أنا، كان وجهي هو البشعَ، ولم تكن هي.حملت خرقة نظيفة، وأغرقتها بالمادة المنظفة وبدأت أمسح وجهي بقوّة وتوتّر واضحين، حتى أثّرت الخرقة في وجهي حزوزًا حمراءَ كالحروق. ثم عاودت التدقيق في وجهي، وبحلقت!
نفسي توّاقة لتحطيم هذه المرآة اللعينة، وقبل أن أهُمَّ بها قالت لي: على رِسْلِكَ! ندوب وجهك البشع ليست إلا سوادًا في قلبك، ودرَنًا لا تزيله المنظّفات. ووجهك البشع ليس إلا مرآتك الحقيقية لداخلك المتعَب المضطرب المتردد، قبل أن تقسوَ على وجهك اقسُ على نفسك ونظّفها من بشاعتها، فقد أترِعت وفاضت حتى طفى رَيْنُها على وجهك البشع.
سامحيني! اعذريني! ساعديني!
لأستطيع ان أتخلّص من بشاعتي!.

السابق
السماء شاغرة فوق بيتي
التالي
عرض خاص

اترك تعليقاً

*