القصة القصيرة

يا أختي!

هنا حيث لا سفوح ولا منحدرات ، فلا تطرق الآذان مواويل رعاة ولا ألحانا تنثرها مزامير لهم ، توقظ الشمس من مخدعها ، ترافقها في سفرها ، إلى أن تودعها وهي تهبط في مغيبها .

هنا حيث البياض يكتسح المكان ، الجدران بيضاء ملاءات الأسرة بيضاء ، حتى قرص الدواء أبيض هو الآخر .
روائح العقاقير تفوح في المكان ، تجتاح الأنوف دون استئذان ، و تخترق الآذان أنات تصدر عن موجوعين .
استضافني بياض المكان مع وجهين كأطلال لم يبق من آثارها غير الوشم ، و ذكريات لهما سقطت في أخاديد حفرها الزمن ثم طواها .

أشرعتُ لتضاريس وجهيهما منافذَ وشقوق ذاكرتي ، فاستحضرت صورة مكان أخبره جيداً ، تنفذ إليه الريح من أحدى الجهات والريح هنالك ذات مزاج غريب ، تدخل المنازل من أبوابها ، تعصف داخلها ، لكنها تخرج خائبة من نوافذها ، تكظم غيظها ، تفر ثم تكر ،تنقض على البساتين ، لعلها تحظى باقتلاع شجرة أو بكسر غصن ، أو بإسقاط حبة تين أو ورقة ، أو حتى برفع ذرة تراب ، لتشفي غليلها ، ولا تفلح .
وجهان لعجوزين من يطحنهما الشقاء ، لبائد شعر مهملة بيضاء هي الأخرى ، وأسنان لم يتبق منها غير الجذور ، تتكئ إحداهما على الثمانين ، طريحة أحد الأسرة ، مثلي ، ينزُّ العرق من جبينها ، يحاصرها المرض ، متقطعة أنفاسها ما تلبث أن تغادرها حتى تعود ثانية إليها ، على ذمة الحياة ، و قد يؤول بها هذا البياض – لا سمح الله –إلى بياض من نوع آخر .
وأخرى كانت يوماً ذات طول ، تقتعد الأرض نهاراً ، و تفترشها ليلاً ، صوت أمعائها يفضح خواء جوفها ، وشفاه ضامرة لم تلامسها قطرة ماء منذ حلولها هنا ، دامعة العينين ترفع للسماء الكفين تدعو : “يا خالق الكون ! يا رحمن يا رحيم ! يا قدير ! يا مجيب الدعاء! لا تحرمني من نداء “يا أختي” !
تقاسمت معهما هواء ذات الغرفة منذ اليوم الأول ، تقابلت أسرتنا ، و لم يفصلنا ذلك الرواق من القماش إلا قليلا .
أسمع دعائها بأن يمد الله في شمس أختها ، فيقشعر بدني فأنا أعلم وحدتها ، لا أخ و لا عم و لا خال ، و رحم كُتِبَ عليه الخواء، و زوج توفاه الله قبل سنين ، له أولاد ، اكتفت من بعده بساعة يده ، لا تفارق معصمها ، و بهاتفه النقال . كان لها محبا ، فكانت له عونا ، بعينيها أبصر الطريق ، ضاق بها العيش من بعده ، ولم تمد للغير كفا .
يتأزم حال أختها ، فيحتقن وجهها خوفا ، تنتفض من حولها كطائر جريح ، يرقص من شدة الألم ، أخذت تغني تصفق ، تبكي ثم تضحك ، تخطوا قليلا لتستنجد بأحد ما
، لكن ما تلبث آن تتراجع خوفا من أن يحدث لأختها ما تخشاه في لحظة غيابها ، فقمت بالمهمة بدلا منها . و ما أن عادت أنفاسها إليها ، حتى غطت في سبات عميق ، تنفست الأخت الصعداء ، تناولت كسرة خبز أسكتت بها عواء معدتها ، بعد أن بللت ريقها بشربة ماء .
على إيقاع ضحكات خافتة ، ترافقها تمتمة تصدر عن شفاه مرتعشة ، تعبق بذكريات ماضية يفوح شذاها ، وشعاع نور تسلل توا عبر زجاج النافذة ، تواطأ معه جزء ضئيل من الستارة ، أرعش أجفاني فأستفيق على مداعبة أجواء المكان لحواسي .
ها هما الأختان ، و قد استيقظتا مبكرا كما الحجل ، يتوسطن السرير ، يجلسن كما لو أنهما فرغا توا من صلاة ، فكانت تلك ضحكاتهن و تمتمتهن .
سررت لمشهد انتهى بكل هذا الفرح ، الذي ما لبثتْ أن انتزعتْ جماليتهُ ممرضةٌ أقبلت نحوي ، بيدها ميزانَ حرارة ، أحسست حينها بألم كان يعتصرني ، فتذكرت علتي …….

السابق
جوع
التالي
بكاء

تعليقان

أضف تعليقا ←

  1. حضر الأبيض والأسود بقوة في مشاهد القصة، بياض الجدران والأفرشة والأدوية، وبياض القلوب التي مدت يدها الى الله تدعو لأخت بالشفاء، وسواد الخوف من مفاجآت القدر، طبعا الممرضة التي انتزعت جمالية المشهد كانت بصدد انجاز مشهد مشهد مماثل لكنه للأسف لا يمر الا عبر أروقة الالم.

اترك تعليقاً

*