القصة القصيرة

يا رايحين ع حلب…

أكوام…كلّ ما تراه حولك أكوام، البنايات أكوام، الأسواق أكوام، الحدائق والمساجد والمقاهي وملاهي الأطفال كلّها أكوام…لا لون في المدينة، كلّ من يدخلها يصاب بعمى الألوان، الرماد دنّس بلونه الكئيب كلّ لون، كلّ ركن، كلّ جزء اختبأ قبل الدّمار، الرّماد دفن كلّ وجه انتظر فرحة تأتي من قادم الأيّام. “الحياة” في هذه المدينة اسم غريب، اسم سقط من قاموس كلمات المكان. قبل أن يحملوا آلات موتهم، والوجوه المستأجرة العابرة وينصرفوا، تفرّسوا في المكان لعلّهم نسوا روح طفل سيروي أفعالهم الكافرة، أو نبتة فيها حياة، أو جرعة ماء، حاولوا أن يغسلوا أيديهم الملوّثة بالدّماء، لكنّها هي الدّماء الصارخة تأبى أن تطهّر أيديّهم، وأيدي الصامتين. تبادلوا الضحكات، وكلمات بلغات متنافرة، كتنافر ألوانهم، أشكالهم، أسمائهم، معتقداتهم…لكنّهم توحّدوا في الحقد، والإجرام ، والرذيلة كأولاد العاهرة.
خيمة انتصبت في مدخل مدينة الرّكام، كهل جالس على حجر كان قبل زلزال الحقد عتبة لبيته الصغير، قنينة من الخمر الرخيص تجرّع نصفها، وسيجارة سحقتها أنفاسه المكتومة، تكاد تحرق شاربه، رمادها تناثر حول أعقاب السجائر المحترقة، اقتربتُ منه، لم يرفع رأسه ليراني، فبعد كلّ هذا الدمار الذي تصفح صفحاته بتأنٍ لم يعد في الحياة ما يستحق أن يُرى، لم أكلمه، ليس لدي لغة أستطيع أن أخاطب بها أنصاف الأحياء والأموات، لم أسأله، فالسؤال جرح يفضح عجزنا، وصمتنا، وخوفنا، يفضح جهلنا منذ مئات السنين، لكنّه تكلّم، صوته كأنّه خارج من جرح استوطن في عمق الروح، مقطّع كأشلاء من كانوا هنا يملؤون المكان حياة.
قال: أغريب أنت مثل كلّ الغرباء الذين مرّوا من هنا، أفرغوا حمل حقدهم الموروث منذ مئات السنين، أشكالهم أشكال بشر، لكنّ قلوبهم مفترسة، يدمّرون…يحرقون…يقتلون…يذبحون…وفي الليل يشربون، ويرقصون على أكوام الجثث، أم تراك من القوم الذين كُبلتْ أيديهم عن كسر قيود الآخرين، و مسح دموع اليتامى، والثكالى، والمشردين، أم ليس لكم في الأمر إلاّ الدعاء: اللهم انصر الإسلام والمسلمين.
آه كم حاولتُ أن أردّ عن كلامه، لكنّني كلّما سرّحتُ عيني في أعمدة البيوت الناتئة من تحت الرّكام، أراها شواهدا لقبور مَن كانت مخالب الموت أسرع من خطاهم، كلّما هممتُ بالكلام رأيت مخاطبي يتجرّع مرارة خمرته، لعلّه ينسى مرارة ما رأى.

طال صمتي… وقف والقنينة الفارغة بيده، وكلامه مهشّم ككلّ شيء في المكان، قال: الآن عرفتك من صمتك، أنت من القوم الذين إذا وجب الصمت تكلّموا، وإذا وجب الكلام تدثّروا بالصمت الرهيب. أين كنتم عندما كانوا هنا، يزرعون الخوف في أطفالنا، والدموع جفتْ من عيون النساء من فرط البكاء؟ أين كنتم عندما كانوا يذبحون، يبقرون، يعدمون كلّ شاب في عينيه أمل الحياة؟ أنتم…لم يعد فيكم رجاء، كهذه القنينة الفارغة، ثم رماها بقوة فتناثرت كتناثرنا فوق الركام أشلاء.
ارتخى، ارتمى على الأرض، احتضن حجر عتبة بيته، ولا أدري هل يخاطبها، أم يخاطبني، العينان يكادان يشتعلان من فرط احمرارهما، الدموع تتلاشى في شعر ذقنه المهمل:
كانوا هنا، نعم كلّهم كانوا هنا، ولدي الكبير كان واقفا في طابور الفرن ينتظر الرغيف، تأخر قليلا، لعلّه يأتيني ذات صباح بخبز من السماء، ولدي الصغير كان يلهو مع أترابه على عتبة هذه الدار، طاروا…تحولوا إلى عصافير وطاروا، كلّهم مرّوا وتركوني ههنا بلا روح، بلا قلب، بلا عقل، والله حينما يأتي المساء، أسمع أصواتهم من فوق الغيمات، وخلف نور البدر إذا مدّ للركام ظلاّ:
يا رايحين ع حلب حبّي معاكم راح
يا محملين العنب تحت العنب تفاح
كل مين وليفو معو و انا وليفي راح…*
.
• مقطع من الأغنية الشعبية المعروفة “الروزانا” 2016- 12 – 18

السابق
لماذا ؟؟؟
التالي
نضوجٌ

اترك تعليقاً

*