القصة القصيرة

يا رسول الله معذرة…

وأراني في المنام هائما في هذه الصحراء من غير دليل، الزاد منعدم ، والماء منقطع ، الرمال الساخنة لوحة رُسمتْ عليها آثار رقصات الأفاعي الباحثة في هذا الجدب عن فريسة، الأرض ضحضاح، لا ظل يحميني من هذه الهاجرة، هبّت ريح متناوحة حيرى في اتجاهاتها، حاصبة تلفحني بما حملتْ من رمال كلّما يمّمتُ وجهي باحثا عن مسرب تسلكه خطاي.
لا رفيق في المكان، لا دليل يرشد حيرتي، لا علامة تنبئ أن خلف هذا المَجْهَل نجاة، فأين ذلك العالم الذي كنت فيه؟ أين الناس، والشوارع، والمدن؟ أين الصحاب الذين رافقتهم من أول خطوات العمر؟ أين النساء اللواتي عرفتهن؟ أين أشعاري وأوهام الخواطر والقصص التي كانت تسليني، وتؤنس وحدتي؟… كيف أراني وحيدا ! هل نسوني هنا؟ هل نسوا أني كنت معهم في زحمتهم في المحلات، والحدائق، والشوارع، في كلّ تفاصيل الحياة…؟ أم تراني كنت رقما في سجلات الولادة، وإذا شهقة رافقتْ روحي للسماء، غاب رقمي واندثر، أأمرّ دون أن أترك ظلّي؟ دون أن أترك اسمي؟ دون أن أرسم في الأذهان آثار وجودي؟ آه ما أقسى علي أن أراني كحبّة رمل مرمية في هذه الفلاة. رفعت كفي بالدعاء، والعين طافت في رحاب السماء:
ـ يا مؤنسي في وحشتي، يا منقذي من وحدتي، الناس مرّوا وأنت باق، الناس نسوني، فأظلمت حولي السبل، فيا نور قلب المستجير بك أنر لي بوجه حبيبك ما استظلم، وافتح لي من أمري ما استغلق، فالقلب من فرط الشقاوة والهموم ما عاد يصفو غديره، فاجعل حروف كتابك له صفاء، واجعل من سيرة حبيبك له اقتداء…
وكأنني أرى قادما من فوق كثبان الرّمال، كلّما تقدم في الخطى اخضوضر حوله جدب المكان، العود من بعد طول القحط أزهر، وبراعم الأوراق طلّت باحتشام، نوره حيثما التفت أضاء، وعطره فاق عطر ورود الأرض وإن اجتمعت، بلا شك هو من البشر، لكنه حاز ما كمل من أوصافهم، فحروف لغة الكلام وإن تدثّرت بالبلاغة عجزت عن وصف القليل، فوصفه أعلى من الكلام، وهيبته أرقى من الوصف، قلبي من بعد وحشته استأنس، والروح قد هدأت من بعد ثورتها ، وخوفي لا أدري كيف تحول لأمان، كان المكان صحراء، جرداء، قفرا، صار جنانا، أشعة الشمس تصارع في الظلال كي تمرّ، إن مرّ منها بصيص طمسه الظلّ بوارف أغصانه.

القلب نبأني بأن القادم إليّ هو من دعوتُ الله أن يكون أنيس وحشتي، ومرشدي بعد أن تاهتْ بخطاي السبل، هو رسول الله محمد، ومن غيره مؤنس، ومرشد، وهاد؟. حاولتُ تقبيل اليدين والقدمين وأطراف حلّته الحمراء، لكنّ نوره حال دون اقترابي، فمن أكون أنا حتى ألامس كفّ “خير خلق الله كلّهم” وأنا المحمل بكل أصناف الآثام، لكنّني رزقتُ بحرا من الخير حين رأيته، كان واسع الجبهة، والعينين مع سوادهما، والعنق زانه طول، والبشرة البيضاء النقيّة، لا يشوبها لون يفسد نقاوتها، والوجه أضاء مع استدارته، وسواد شعر الرأس لامس منكبيه، والشيب لو دققتَ لا يكاد يبين، كان كثّ اللحية وعطرها ملأ المكان طيبا…
العقل تاه في الجمال، والروح من فرط نشوتها تكاد تطير، لكنّ عيني فضحتْ بالدمع ما في القلب من ألم، حاولتُ لجم لساني لكنه انفرط:
ـ يا رسول الله أشكو ضعفنا، أشكو ذلنا بين الأمم، أشكو جهلنا، وفقرنا، تقسّمنا مللا، ونحلا، وطوائفا، ومذاهبا، وأحزابا… تعادينا، تشاتمنا، تحاربنا، سللنا السيوف والحراب، يا رسول الله صرنا في بقاع الأرض أجزاء مبعثرة، يا رسول الله بعد ما كنا خير أمة على الأرض، صرنا من أسوء الأمم.
شكوت، وبكيت، والقلب أفرغ حملا كان يحمله، لكنّ صوتا قويا جاء من كل اتجاه، هزّني هزّا:
ـ يا أيّها الغافل هل نسيتَ أنّك بين يدي من جاء يرشدكم، ويهديكم، رسم الطريق لكم وخطاكم حادت عن رسم الطريق، قال اعتصموا فتفرّقتم، قال تحابوا فتباغضتم، قال تعلّموا فتجاهلتم، قال يوشك الأمم أن تداعى عليكم، فتدثرتم بالوهن…
احمرّ وجهي، والجبين تفصّد عرقا، وكلّ أعضائي من الخجل أصابها ارتعاش، فلم أجد على لساني غير قول أردّده: يا رسول الله معذرة… يا رسول الله معذرة…أفقتُ على بلل بارد على جبيني، تلمّسته، فإذا بضمّادة مبلّلة بيد زوجتي علّها تخفّض من حرارتي، ولساني مازال يردّد: يا رسول الله معذرة…

السابق
داخل المضمار
التالي
غربة

اترك تعليقاً

*