القصة القصيرة

يوم الحرب

ما بال الكلاب المضطجعة خلف ذلك السُّور لا تقدر على شيء..؟ ألأنها تخشى كالبشر حقول الألغام المنتشرة؟ وي كأنَّ أسلاكا شائكة تحول دونها، ربما..؟ وعزمتُ أن أتخطَّى الحدود..ان أهرب إلى بيتها لاجئا ..
ما أفظع هول الحرب وما أقذرها ..!
كان خريفا، الوقت لم يزل مغرباً، شمسُُ باهتة اللَّون فوق الجدران وغرفة نومها غارقة في دموع الكآبة ، مازالت الصُّورة فاتنة بالمقابل ، كسور بالطاولة هي ..هي ، تعاريج وخدوش بالمرآة، كلُّ ذلك تمرُّ عليها الأقدار وهي محفورة على جسد الأبدية..
ها ظهرتْ عند عتبة الدَّار ببصبصتها المعهودة، سمِــعَتْها العجوز ، فتحت الباب لتدخل الجروة صامتة وبأقدام مليئة بالطِّين طبعت اثارها على أرض الغرفة ..تلك عادةُ الحيوان بالبيت : خلتها تهمهم ..
غليان القدر يزداد، والغطاء يُرعبني فقطرات الماء تهتز بعنف وتظهر على الحواشي .. ما كنتُ قادرة على احتمال ضجّته كما الحرارة داخله، فجأة توقف الموقد على الإحتراق وأطفأ نفسه . لم أجرؤ على التَّقدم خشية أن تظنَّ العجوز بي الظُّنون.. في هذا البيت غرائب وغرائب..
فجأة يقرعُ آذاني خرير الماء المنحدر الى فتحة البالوعة المفتوحة أهتزُّ كالجَّـــان، ربما الحمّام كان يشطف او ربما ماكينة الغسيل تركتها العجوز كي تفرغ نفسها، كلُّ شيء هنا يسير وحده ويتوقَّفُ..
حين أدركتْ أنَّ ماءها غلى، قامت الى مغسلة المطبخ فانفتح الماء السَّاخن يهرهر..ثم لمَّا نفضت ما فوق يديها انحبس..كنتُ أتفرَّج في عجائب الرَّبِ .. المنشفة ذاتها تتلوَّى في يدها كالوردة..
تتركني أنظر اليها وتحدِّق بالظَّلام خارج البيت، تنصت لسلسلة من أصوات القرقعات البعيدة الصَّادرة من المدافع،ودويِّ القنابل ..قفزتُ فوق الطَّاولة المائلة الى اليمين ، لمحتُ رجلا أغلبُ الظَّن،كان وجهِه مختفياً تحت خوذة قديمة سميكة ، وكان خلفه بؤرة وحيدة من الظَّلام .وفي الوهجِ الخافتِ لسيجارته المشتعلةِ كَانَ من المستحيلَ رُؤية ملامحه.. كلُّ شيء هنا ينير وحده وينطفئ..يا للغرابة..!
هزَّت رأسها وسحبت سدَّادة الحوض، نظرتْ مرَّة ومرَّة أُخرى الى وجهي .. فاستحييتُ..ووددتُ لو أُعيرها عينيَّ تشبح بهما .. أما تكفيني نظراتها الذابلة الغائرة..
كانت حكيمة معتنية ..وددتُ أعينها حين كانت تدبِّر شأن المطبخ هي تنظِّم كلَّ شيء حولها ..أخذت الأكياس بيدِ، تلك حقق الطماطم، والتُّفاح، وعلبة العجين وهذا طعام الجراء ..تخزِّنها كلَّها .. ثم أدخلت قطعتيْ الخبز المثلَّجتين ناثرة قطعاً صغيرة من الثلج على الأرض..
هي ككيس الإسمنت.. لا شيء يدلّ على مؤخرتها غير انها عجوز ..
كانت تمسك أكياس النايلون تحشرها في أحد الأدراج، قد تستحقُّها مرَّة ثانية، ولمَّا فتحت الدّرج حدث انهيار بالمنزل المقابل .. تصايح الأحياء وامتلأ الجو برائحة البارود والغبار ،فاندفعتُ الى الخلف وانحسرتُ بين الطاولة والحائط.. لكنَّها رمت آخر مجموعة من الأكياس داخل الدَّرج ثم أغلقت الباب.. رمقتني بعين باردة كالثَّلج.. لا شيء يوحي بأنوثتها .. حتى عيناها لا سرّ أنثى حولهما.. استوت في اعوجاجها تبحث في رفِّ البهارات حتى وصلت للوح تقطيع الخبز أخذت السكين وأخذتني على جزعي ، يدها في رقبتي تعصرني .. كانت ترتعش.. أخذ الجوع منها مأخذه وكنتُ أقدِّمُ صدري لحنانها .. أسندتْ رأسي، وتلَّتـــني لليمين ..أولجت المدية باللحم الحيِّ..اصطكَّت أسنانها واضطربت ركبتاها.. مسكينة هذه العجوز ..
ومسكينة تلك الجروةُ..كنتُ أنا ..!

السابق
في العشيَّة
التالي
المحطة

اترك تعليقاً

*