قراءة في مجموعة قصصية

نبض الحياة في «تداعيات الدموع والبياض»

للكاتب عبد الرحيم التدلاوي

مقدمة
القصة القصيرة جدا في سيرها الحثيث وتحديها للرفض من قبل البعض، تمكنت نسبيا من موقعة نفسها داخل الخريطة الإبداعية بامتياز، ذلك أنها تحمل هذا التكثيف الذي يقربها إلى ما يشبه نصاعة الشعر بإيحاءاتها وبتكثيفها، ما يبوئها مكانة الجنس الجامع بين رحابة السرد وسحر التصوير والإيقاع الممتعين المؤثرين عبر حسن الالتقاط للحدث في صيرورته ومشهديته الجائلة بالقارئ في بحور المشاعر الجياشة، والفضاءات النابضة بالحياة، و»قد امتلكت بسبب هذا الاختزال الكبير الذي طال بنيتها الفنية ملامح جديدة من الإيجاز والإيحاء ورحابة الخيال وكثافة اللغة وشاعرية النسق وحلمية الصورة وفلسفة الواقع وتركيز الحدث وزئبقية الزمن وبلاغة التأويل …» .
ولأن القاص عادة هو المتأثر الأول بالحدث الطارئ بين يديه، واقعا أو متخيلا، محاولا جعل القارئ يتأثر به مثله، فإن قصص مجموعة « تداعيات الدموع والبياض» قد لامست الكثير من الثيمات التي لها علاقة ليس بالمجتمع فحسب، بل بنفسية الشخصيات وأحلامها ضمن أسلوب شاعري تصويري بديع.

عنوان المجموعة
عنوان العمل الأدبي له أهميته باعتباره علامة مختزلة لرؤية الكاتب العامة إزاء مجموعة من النصوص المضمومة في مؤلفه، فهو تتويج للمكتوب والمنسوج، وهو عنصر بنائي يوضع أو يصاغ ضمن إبداعية تحمل ما يمكنه أن يكون العنصر الممتد في أنساغ العمل الأدبي، علاوة على إغرائيته للقارئ، وبذلك يتجاوز كونه علامة لسانية إلى كونه دالا ينبغي الاشتغال الجدي، من أجل وضعه كي يؤدي أغراضه بشكل مناسب وفعال، جاء العنوان مكونا من ثلاث كلمات وحرف عطف.
تداعيات: التداعي في الصيغ الصرفية العربية تدل على المشاركة، والجمع تداعيات، وهي تشير إلى التفاعل والتجاذب بين أمور أو أحداث أو وقائع مثيرة للدهشة، للألم، للتأمل، ولمحاولة التفسير… وإضافة التداعيات إلى الدموع والبياض يحدد دائرتها في المُحزن والمُقلق والمؤلم المبكي، والصفاء أو الفراغ أو اللاجدوى الذي يمثله البياض.. والقارئ للمجموعة يجد أن العنوان مناسب لها، فكل ما جرى فيها من أحداث وكل ما تحمله من تصورات الكاتب وتأملاته منسوج أو مختلق ضمن تداعيات بين أفعال وتضحيات ومشاعر وأحلام تؤول إلى نتائج أحيانا وإلى البحث عن محطات تُـشعِر بالارتياح والقبض على الحلول الممكنة.

لوحة غلاف المجموعة
يحمل غلاف المجموعة لوحة جميلة للفنان المغربي المعروف محمد سعود، لوحة منسوجة بمساحة لونية يطغى عليها البني بتدرجات جميلة أملتها على الفنان رؤيته الإبداعية، وقد أثثت المساحة بأربع مفردات بارزة وتتكون من:
ـ ثلاثة أشخاص مختلفي القامة، طويل، متوسط، قصير مما يحيل على الكثير من المعطيات، فقد يتعلق الأمر بأسرة، وقد يتعلق بالتفاعل بين أجناس، وقد يتعلق الأمر بالصراع الطبقي بين فئات مختلفة من حيث وضعياتها الاجتماعية والاقتصادية…
ـ دائرة كبيرة الحجم مقارنة بمساحة اللوحة ومكوناتها الأخرى، وقد ترمز إلى البدر أو إلى الشمس في صورة من صورها، وقد ترمز إلى الحلم وإلى المبتغى، وقد ترمز إلى انعكاس ما يعتلج في نفسيات الشخصيات في البدر أو الشمس باعتبار كون الإبداع يحاول أن يجسد ما نشعر به من أحاسيس مختلفة في بعض عناصر الطبيعة…اللوحة معبرة، ونرى أنها مناسبة للمجموعة ليس من حيث مفرداتها فحسب، بل بالطريقة والأسلوب الذي نسجت به، فهي بلا ملامح مميزة، سرابية تحيل على الكثير مما يكثف الرؤى والتأويلات والتساؤلات، وهذا ذاته من عناصر ومقومات القصة القصيرة جدا. وأعتقد أن العنوان لو جاء كلمة واحدة هي «تداعيات « لكان كافيا وأكثر إيحائية، مادامت القصة القصيرة جدا جنس الاختزال في كل شيء، في الفضاءات في الشخصيات والأحداث والعناوين.
إن التكثيف ليس بالأمر الهين فكثيرا ما يؤدي إلى إغلاق منافذ الولوج إلى عوالم النص ومعرفة مقدماته وخواتمه، بشكل يحمل معنى وصورة يمكن القبض على بعض جوانبها ولو كان ذلك تأويلا، مما يحوله إلى باحة صماء بكماء لا تتكلم ولا تسمع مما يقوض أدنى نقطة تواصلية مع النص فيجعل القارئ عاجزا عن القراءة والبحث، وهنا بداية الأزمة والنفور، وهو ما وسم الكثير من دواوين وقصائد الشعر الحر، الأمر الذي فتح باب الحكم على تأزمه في علاقة بالقارئ الذي كتب من أجل استمتاعه به ومن أجل التفاعل معه.
والحال أن جل نصوص المجموعة نجح الكاتب إلى حد بعيد في جعلها شعرية المبنى حلمية الأجواء عبر مخيلة ثرية مفعمة بالمرئي الجميل باختزاليته وإيجازه المُوحي, فحرارة الحدث وما يحمله من فضاءات وصور وتصورات يعمق الإحساس ويوقظ المشاعر إيقاظا يجعلك تتفاعل وتتعاطف مع الحدث النابض والخاص بلحظة من لحظات التأمل فيما يَـنْعمل في المجتمع والمتخيل.
قصص تحاول أن تجعل القارئ يحس بالجرح وكأنه الجريح، ويحس بالغبن وكأنه المغبون، ويحس بالعشق وكأنه العاشق البطل المناضل من أجل المرأة النبيلة… قصص قصيرة جدا كبيرة جدا تعمق احساساتك وهي تنتقل بك في عوالمها التي نسجها الكاتب بخبرته ومهارته..
في قصصه انخراط في قضايا النفس والمجتمع بشكل يحمل توصيفات ونقدا وسخرية وتأزم العلاقات بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والأحلام والرغبات، بين الإنسان وما يحتدم في دواخله مما يروم تحقيقه محاطا بالمتاريس المانعة والحائلة دون البلوغ والانتصار. ولعل المشار إليه تشي به عناوين قصصه: كوة ، ضباب، وبال، انشودة، سقوط حر، شهيق وزفير، خزنة، الصورة، تجليات، سماد، اندهاش، رماد، قراءة، تجاذب، إعادة التأهيل، دمعة، صاروخ، هوس شبقي، انحراف، صلاح، ارتطام، ماء ، نتائج ، سقطة، فتح، مسعى، هداية، التمطي، مسالك، تشاكل، قط اسود، تداعيات، قسوة، أقفاص، بحثا عن مفتاح ، تدبير، عطر الليل، نزوة مجنونة، شاعر، مسرح الخبز والدمى، جمرات، سرير، نشر، تضحية، جفاف، نصيحة، نشاز، يا ليت، معاكسة، ارتطام ، سلطان الطرب، متاريس، شبه لي، وقبل أن، رعب، أساطير عدو، مراسلة، امتداد، بلاغة الليل وفصاحة الصباح، مدينة التيه والظلام، رعب في المدينة، نعامة، رحلة نور، مقاربة سيميائية، طرق، أفق الكائن الذي لا تحتمل خفته فراغ، جدل، سقوط، لص عناوين، غضبة، شاهد، صراع، امتداد، برنامج، حول، صرخة وصمت مريب، لعبة، ميثاق، شبكة، حلاوة، مرارة، روح.
عناوين مفعمة بإيحاءات تضيق من دائرتها وإطلاقيتها أحداث ومحددات النص، وهي عناوين نابضة بالحياة والأفعال تحيل إلى الصراع والطموح والخزي والنصر والمفارقات والسراء والضراء والنفاق والجبن والخوف واليأس والإثم … مع الإشارة إلى عناوين تحتاج إلى اختزال كي تنسجم مع تكثيف وانْوِلاد التفسير والتساؤل في علاقتها بالمضامين والأحداث المضمنة في النصوص. ومن تلك العناوين «بلاغة الليل وفصاحة النهار»، «الكائن الذي لا تحتمل خفته»، «صرخة وصمت مريب»… وبالجملة فالعناوين جاءت عضوية متكاملة مع نسج النصوص الموضوعة لها.
قصصه ترسم الحلم وتداعياته وتشعر ببعضها متحققا واستحالة تحقق البعض الآخر في عالم تتوزعه المفارقات الصارخة بين القوي والضعيف بين المحظوظ والتعيس، في عالم تحكمه الأنانية وحب الذات على حساب الآخرين.
يقول الكاتب في نص «رماد»:
قرر الرجل أن يصرخ ليحطم جدار الخوف.
أنتج ربيعا..
صامتا كالثلج .
النص يشير إلى عدم قدرة الرجل على التخلص من جبنه وخوفه رغم بذله الجهد من أجل ذلك، بل أن محاولة تحديه جعله أكثر وداعة، فقد أتى صراخه منتجا ربيعا جميلا بدل أن ينتج عواصف مخيفة رادعة، وتتكرر مثل هذه الصيغ وبالثيمة نفسها في أكثر من نص. يقول في نص «فراغ» ص 58:
تحطمت أعمدة القفص..
حلق العصفور عاليا..
اصطدم بنفسه.
رسم جميل لعقدة مترسخة في نفسية الطائر السجين الذي كان حتى وهو يحلق بعيدا عن القفص يستحضر استحضارا حقيقيا كونه ما يزال وراء قضبان القفص، فهو في الأجواء العالية تلازمه عقد الحبس.. بهذه الصيغ تمكن عبد الرحيم من نسج نُصَيصات غاية في الجمال والعمق …
وفي نص «نصيحة « ص 43 نقرأ:
كلما وقف بين يديها اضطرب وتلعثم.
أمهله الدهر لإصلاح آلته تدرب طويلا..
بعد لأي، وجد نفسه ملفوظا بفصاحة.
نصوص كثيرة في المجموعة تجمعها فكرة الفشل نفسها, وفي هذا النص بالذات نقف على براعة الكاتب في لعبة اللغة، فقد تفوق في كثير من النصوص حين اشتغل على ألفاظ لغوية حملها عبر الصياغة بدلالات غير معهودة، فساهمت في تكسير تصور القارئ، وفي ذلك تشويقية الحدث ومتعته.
المجموعة مفعمة بوقائع تحدث يوميا لتحكي هنات وكبوات الإنسان في واقع مأزوم عبر مواقف يحاول من خلالها الخلاص والتخليص، وبث روح الانخراط في تأمل ما يحدث حولنا، وفي قلب دوامة الحياة بصفائها وأكدارها.. وقد أتى ذلك عبر رمزية وتكثيف جاذبين. وتحمل المجموعة ملامح جمالية مميزة محترمة لمقومات القصة القصيرة جدا الجمالية والفنية وأهمها الانزياح والإيجاز وكل ما يساعد على توهج الحدث وخصوبته إيحائيا وتوليدا للدلالات المختلفة باختلاف خلفيات وثقافة القراء. عموما نعتبر منجز عبد الرحيم في القصة القصيرة جدا، إضافة نوعية في درب هذا الجنس الفتي المستأثر باهتمام المبدعين والنقاد. نتمنى له مزيدا من النجاح.

السابق
الغريبُ
التالي
كٙسْب

اترك تعليقاً

*